وقفة عز! قصة قصيرة
كما كنتُ أخشى، وقع الاختيار عليَّ لمهمة المراسم. فإثر اجتماع أجراه الضابط المسؤول، تم اختياري مع خمسة من زملائي وصُرف الباقون وظل الضابط يُلقي علينا تعليماته الصارمة في كي الملابس وتنظيف الأحذية حتى تكون كالمرآة لنكون فخرًا للشرطة كلها.
دائمًا يتم اختياري لِمهمة المراسم، وذلك لأني طويل معتدل القامة. أكره هذه المهمة كثيرًا لأن ألمًا شديدًا يُصيبُني في رقبتي إذا ما وقفت جامدًا ثابتًا لفترة طويلة، فكيف إذا كنت حاملا بارودة؟
وأكثر من مرة، قررت أن أذهب إلى الضابط، لربما يعذرني بسبب ألم رقبتي، فكرت في الأمر كثيرا، وحاولت أن أجد عذرا قويًّا، كما وجدت حلولا ظلت تلح عليَّ، مثل أن يجعلني أحمل بارودة من خشب من التي تستخدم للتدريب، طالما أن البارودة التي أحملها فارغة من الرصاص ولا تستخدم إلا ديكورا مكملا، وزن البارودة الحقيقية ثقيل جدًّا، وهذا الثقل يسبب لي ألما لا يحتمل.
غير أني لم أنفذ أي شيء من كل تفكيري شيئا ولم أذهب ولا مرة خشية أن يتهمني بالخيانة العظمى، فأنا عسكريٌّ، والعسكريُّ عليه أن ينفذ المهمة الموكلة إليه، ثم يعترض! لكن، بعد أي شيء؟ خاصة وأني أخدم إجباريًا، فلا اعتراض ولا أهمية لي على الإطلاق.
«انتو أبطال»
صرخ الضابط في وجوهنا مكشرا أثناء إلقائه الخطبة العصماء، راح يحمسنا ويصرخ في وجوهنا ويؤشر بيديه ويخبط برجليه، وكأن العدو على حدود الكتيبة، وقد أثار فينا من العزيمة والقوة ما يجعلنا نسحق ذلك العدو الوهمي مهما كان كبيرا وأن نبيده عن بكرة أبيه، بدأ خيط الألم يخط في رقبتي وتمنيت أن ينتهي حتى أرتاح قليلا، ولكنه أكمل خطبته:
«نفوش ريشك، وارفاع مناخيرك لفوق لفوق لعند السما... قلنا ارفاع مناخيرك يا خرا... والله والله لنسيكن حليب إمكن إن خجلتوني وطلعتوا خروات ومناويك... ولك عم بقل لك ارفاع مناخيرك يا خرا!»
حسبت أن الأمر موجَّهٌ إلي، فاحتلمت الألم الذي راح يتركز ورفعت رأسي وأنفي مباشرة ونفذت الأمر على أكمل وجه.
بعدما وصلنا، جعلنا الضابط حماة للمنصة، فصفَّنا ثلاثة على يمينها يُقابلهم ثلاثة على يسارها.
«بدي ياكن رجال وترفعوا لي راسي... ليكو! أنا رح إقعد هون، بالنص، ورح تضل عيني عليكن، ويا ويلو يا ظلام ليلو اللي بيتحرك حركة وحدة بس.... غير لنيكو بالكتيبة»
أخذ الناس يتدفقون إلى الصالة الضخمة، كانوا جميعًا ذا مظهر واحد تقريبًا حليقي الذقن وشعرهم مُسرحًا تسريْحة واحدة بنظرة جامدة وبشرة شمعية صفراء، وقد وضع على الوجوه شوارب مصبوغة بالأسود اللامع كلها بحجم واحد تقريبا. وما لبثوا أن عبأوا أماكنهم بتهذيب وصمت من دون إثارة أية ضجة، كان سلوكهم أشبه بسلوك مرضى البله المنغولي. دخلوا جماعات جماعات حتى ملأوا الصالة إلا الصف الأول والثاني من الكتلة المتوسطة من المدرج. ونحن واقفون على الوضعية نفسها مُتجمِّدين تحت أنظار الضابط المسؤول وهو يلاحقنا بعيونه المتوعدة حثيثًا أنا وزُملائي.
فجأة، اندلعت ضجة من الهتافات الحارة لوصول المسؤولين الذين دخلوا الصالة من الباب الخلفي ووقف الجمهور وراحوا يصرخون بهتافات لم أفهم منها كلمة واحدة، غير أنها، والحق يقال، تخرج بسوية معتدلة منظمة وكأنهم تدربوا على أدائها طويلاً، وإن كانت تخرج من حناجر ضجرة، انقسم الجمهور إلى كتل متساوية، كل كتلة يحمل من فيها صورًا وأعلامًا مختلفة عن غيرها من الكتل الأخرى، الترتيب متقن تمامًا، بينما المسؤولون يمرون على الممر الفاصل مُحيين الناس ببدلاتهم السوداء الناصعة ووجوههم البلاستيكية التي رسمت عليها ابتسامة مبتورة.
كنت بمجرد أن يلهو عني الضابط بالنظر إلى الجمهور ومشاركتهم، أميل قليلا وأُغيِّرُ في وضعي بضعة سانتيميترات حتى ترتاح عظام رقبتي قليلاً. ثم لا يلبث هذا الملعون أن يعوي بعيونه وينظر إليَّ شكًّا منه أنني تحركت، غير أني صرت مع الأيام خبيرًا في الهروب من الاتهامات العارضة كهذه، فتجمدت تجمد بطل منتصر ولم آبه له.
عاد الوضع إلى الاستقرار، فتوجه عريف الحفل إلى المنصة، وبُدِئ بالنشيد الوطني حيث أخذ المحتفلون يصفقون تصفيقًا موقعا بإيقاع واحد، ثم انتبه واحد من المسؤولين يجلس على أقصى اليمين إلى المسؤول الذي يجلس في المنتصف تقريبًا ينظر إليه، فزاد من حدة تصفيقه بعدما داهم عيونَه رعبٌ مفاجئ، غير أن الآخر لم يحِدْ عنه بنظرته المتوعدِّة، فأخذ المرعوب يغني النشيد مع الآخرين حيث تميز صوته العالي والشاذُّ، من دون شك، لم يكن ذلك الدور هو الدور المرسوم له، فلم يجد المسؤولون نفسهم إلا في مأزق الإنشاد، ثم تجاوز المرعوب التصفيق والإنشاد إلى رفع قبضة اليد ملوحًا ثم قفز فوق المقعد وأصيب بنوبة انفعال ثوري، فصار باقي المسؤولين يلاحقون سلوكه وانفعاله حتى أن الكاميرا التلفزيونية التي كانت تصور المشهد عن قرب تراجعت لتصور الثورة العارمة التي اجتاحت الصالة كلها.
ثار تصفيق شديد بعد الانتهاء من النشيد الوطني، فأخذ الجميع يجلسون، غير أن مجموعة من الواقفين في الصفوف الخلفية أخذوا يهتفون الهتاف نفسه، كان المسؤوليون في هذه الأثناء قد تنفسوا الصعداء وجلسوا، غير أن الأحمق المرعوب نفسه عاد وورَّطَهم في الوقوف من جديد. وما جلسوا وعاد الصمت إلا بعد شق الأنفس.
أخذ العريف يلقي شعرًا قويًّا أوقع الميكرفونات، فاضطر لتعديلها بعد تصفيق شديد من الجمهور، ثم قدم الخطيب الأول.
كُنتُ مشغولا بالتمثيلية أراقبها بشيء من الفضول من دون أن أنسى الضابط الذي لا أعلم لم سلطه الله علي حتى يراقبني، فمن المؤكد أن الله رحيم ونبيل ولا يراقب الناس بهذه الطريقة، وما أن التفت صوبه للمرة الثانية حتى حمدت الله لأنه كان ينظر ويتوعد زميلي وليس أنا، فاعتدلت وشددت من عزيمتي ونفشت ريشي كديك، غير أن الألم عاد أشد، أحسست أنه أستوطن في لوح الكتف، عدلت قليلا من وضع البارودة الفارغة، وأبعدت قدمي نصف سانتيمتر فقط جَعَلَت الضابط يقف من مكانه، ثم انتبه إلى نفسه، فهو يحرم الذين خلفه من الخطاب الثمين الذي يلقيه الخطيب، فجلس وهو يشير إلي بثلاث أصابع إشارة توعُّد، لزمت مكاني جامدًا ثابتًا بموقف بطولي، أكاد أنفجر من الألم، وأنا أستعيد العقوبات التي تنتظرني في الكتيبة.
الخطيب الثاني سبق أن رأيته في التلفزيون، وجهه منفوخ مثل كرة ويحتفظ بثلاث انتفاخات شحمية؛ اثنين تحت عينيه، وثالث ضخم تحت ذقنه، لا أعرف ما ضرورة أن يأتوا بخطيب بشع للغاية، إلا إذا كان في نيتهم أن يثيروا الرعب في الناس، على كل حال، فذلك موضوع آخر، وفيه وجهة نظر.
أخذتُ أعد الأوراق التي يحملها، وفشلت أخيرًا لأنه كان يقرأها وهو يرتجف، وحمدت الله أنه كان يتخلص من الأوراق بصفها على الطاولة، بينما كنت أدعو الله أن ينهي هذه الورقة، بدأ التصفيق ثم تلاه الهتاف المدروس بعناية، الذي لم يكد ينتهي هذه المرة. أخيرًا عاد إلى قراءة الخطاب، لم أفهم منه كلمة واحدة لأن الألم أخذ يزداد تركيزا، وصار لا بد من الحركة يمينا أو يسارًا لأتخلَّصَ من الألم الذي خدر يدي وامتد إلى ظهري بشدة التركيز نفسها أو أكثر. ولكن أعين الضابط زجرتني، فعدلت عن مجرد الحركة واحتملت الألم أكثر.
«بدي ياكن متل الصنم، ما تحركوا ولا حركة! واللي بيحرك، يا ويلو يا ظلام ليلو!»
صار تهديده يُحوِّمُ في أذني فصرت محاصرًا بين ألمي وتخوفاتي وذكرياتي المرعبة التي تنتظرني.
أراقب الورقة نفسها التي سينتهي منها أخيرًا، اللعنة! إنه يتناول كوب الماء الموضوع أمامه ويشرب. يُثيْرُ تصفيقًا وهتافًا جديدين! اللعنة على هذه الورقة التي لن تنتهي.
لم ينته الخطيب البشع من خطابه إلا بعدما شلت كل قدرة عندي على مراقبة ما يجري أمامي. راح الألم يسير في جسمي، وصار حيث لا بُدَّ من التحرُّك حتى أخفف شيئا من انتشاره المرعب قليلاً، لكن الحركة أثارت الألم إلى أقصاه فعدت إلى وضعي المتجمد وتركته يمشي كيفما أراد، ومع كل تقدم في أنحاء الجسم كان الألم يتحول إلى ألم جامد وثابت، لا ينتهي.
جاء دور الخطيب الثالث، غريب! كنت أراه على شاشة التلفزيون جميلا طويلا كبير الحجم ليس كما الآن، ولم تكن تظهر بشرته المجدورة، يمر إلى المنصة أثناء الهتاف الذي افتعله الحضور في الصفوف الخلفية. في أثناء هذه الضجة، تقدم اثنان من المرافقين من الكواليس دافعًا درجًا خشبيًّا صغيرًا ذا ثلاث درجات، ثبته خلف طاولة الخطيب، فتقدم الخطيب ثم صعد فوقه وراح يُحيي الحضور ويردد هتافهم على الميكروفون.
لم تكن معه أوراق سيُلقي خطابه ارتِجالاً إذن، عليًّ أن أستسلم للألَم الذي راح يذوب متعشقًا كل جسمي وعقلي، وصار جزءا من شموخي وعزتي ورجولتي، وبطولاتي وكبريائي وريشي المنفوش ومناخيري المرفوعة إلى السماء. تجمد أنفي إلى الأعلى حيث الشموخ، وربط نظري إلى نقطة واحدة فقط وهي المجد، ولم أعد أقوى على معرفة ما يدور من حولي أو رؤية أعين الضابط أو الخطيب أو حتى الهتافات المرتبة وبدأ الزمن يتسارع، أما الخدر الذي أصابني فقد ساعدني على تحمُّلِ ما يقوله الخطيب وصوته البشع.
لم ينته الخطاب لأنه انتهى فعلا بل لأن صوته قد بح، فراح يقرب الميكرفون أكثر بينما التصفيق والهتافات تشكل فواصل مدروسة بعناية. ثم تلاه غيره من الخطباء حتى انتهى المهرجان أخيرا، لم أصدق أنه انتهى إلا عندما غادر الجميع الصالة بصمت وتهذيب مثلما حضروا، نسيت أني عشت قبل المهرجان، اختفت ذاكرتي وصرت أعتقد أني كائن ولد ليكون في هذا المهرجان وحسب، ويتألم كل الوقت.
كان ألمي قد حولني إلى صنم شمعي لا أقوى على حركة واحدة، ولأول مرة أرى ابتسامة على وجه الضابط الذي اقترب مني وهنَّأني بخطاب مقتضب على بطولتي وشموخي ووقفة العز.
دائمًا يتم اختياري لِمهمة المراسم، وذلك لأني طويل معتدل القامة. أكره هذه المهمة كثيرًا لأن ألمًا شديدًا يُصيبُني في رقبتي إذا ما وقفت جامدًا ثابتًا لفترة طويلة، فكيف إذا كنت حاملا بارودة؟
وأكثر من مرة، قررت أن أذهب إلى الضابط، لربما يعذرني بسبب ألم رقبتي، فكرت في الأمر كثيرا، وحاولت أن أجد عذرا قويًّا، كما وجدت حلولا ظلت تلح عليَّ، مثل أن يجعلني أحمل بارودة من خشب من التي تستخدم للتدريب، طالما أن البارودة التي أحملها فارغة من الرصاص ولا تستخدم إلا ديكورا مكملا، وزن البارودة الحقيقية ثقيل جدًّا، وهذا الثقل يسبب لي ألما لا يحتمل.
غير أني لم أنفذ أي شيء من كل تفكيري شيئا ولم أذهب ولا مرة خشية أن يتهمني بالخيانة العظمى، فأنا عسكريٌّ، والعسكريُّ عليه أن ينفذ المهمة الموكلة إليه، ثم يعترض! لكن، بعد أي شيء؟ خاصة وأني أخدم إجباريًا، فلا اعتراض ولا أهمية لي على الإطلاق.
«انتو أبطال»
صرخ الضابط في وجوهنا مكشرا أثناء إلقائه الخطبة العصماء، راح يحمسنا ويصرخ في وجوهنا ويؤشر بيديه ويخبط برجليه، وكأن العدو على حدود الكتيبة، وقد أثار فينا من العزيمة والقوة ما يجعلنا نسحق ذلك العدو الوهمي مهما كان كبيرا وأن نبيده عن بكرة أبيه، بدأ خيط الألم يخط في رقبتي وتمنيت أن ينتهي حتى أرتاح قليلا، ولكنه أكمل خطبته:
«نفوش ريشك، وارفاع مناخيرك لفوق لفوق لعند السما... قلنا ارفاع مناخيرك يا خرا... والله والله لنسيكن حليب إمكن إن خجلتوني وطلعتوا خروات ومناويك... ولك عم بقل لك ارفاع مناخيرك يا خرا!»
حسبت أن الأمر موجَّهٌ إلي، فاحتلمت الألم الذي راح يتركز ورفعت رأسي وأنفي مباشرة ونفذت الأمر على أكمل وجه.
بعدما وصلنا، جعلنا الضابط حماة للمنصة، فصفَّنا ثلاثة على يمينها يُقابلهم ثلاثة على يسارها.
«بدي ياكن رجال وترفعوا لي راسي... ليكو! أنا رح إقعد هون، بالنص، ورح تضل عيني عليكن، ويا ويلو يا ظلام ليلو اللي بيتحرك حركة وحدة بس.... غير لنيكو بالكتيبة»
أخذ الناس يتدفقون إلى الصالة الضخمة، كانوا جميعًا ذا مظهر واحد تقريبًا حليقي الذقن وشعرهم مُسرحًا تسريْحة واحدة بنظرة جامدة وبشرة شمعية صفراء، وقد وضع على الوجوه شوارب مصبوغة بالأسود اللامع كلها بحجم واحد تقريبا. وما لبثوا أن عبأوا أماكنهم بتهذيب وصمت من دون إثارة أية ضجة، كان سلوكهم أشبه بسلوك مرضى البله المنغولي. دخلوا جماعات جماعات حتى ملأوا الصالة إلا الصف الأول والثاني من الكتلة المتوسطة من المدرج. ونحن واقفون على الوضعية نفسها مُتجمِّدين تحت أنظار الضابط المسؤول وهو يلاحقنا بعيونه المتوعدة حثيثًا أنا وزُملائي.
فجأة، اندلعت ضجة من الهتافات الحارة لوصول المسؤولين الذين دخلوا الصالة من الباب الخلفي ووقف الجمهور وراحوا يصرخون بهتافات لم أفهم منها كلمة واحدة، غير أنها، والحق يقال، تخرج بسوية معتدلة منظمة وكأنهم تدربوا على أدائها طويلاً، وإن كانت تخرج من حناجر ضجرة، انقسم الجمهور إلى كتل متساوية، كل كتلة يحمل من فيها صورًا وأعلامًا مختلفة عن غيرها من الكتل الأخرى، الترتيب متقن تمامًا، بينما المسؤولون يمرون على الممر الفاصل مُحيين الناس ببدلاتهم السوداء الناصعة ووجوههم البلاستيكية التي رسمت عليها ابتسامة مبتورة.
كنت بمجرد أن يلهو عني الضابط بالنظر إلى الجمهور ومشاركتهم، أميل قليلا وأُغيِّرُ في وضعي بضعة سانتيميترات حتى ترتاح عظام رقبتي قليلاً. ثم لا يلبث هذا الملعون أن يعوي بعيونه وينظر إليَّ شكًّا منه أنني تحركت، غير أني صرت مع الأيام خبيرًا في الهروب من الاتهامات العارضة كهذه، فتجمدت تجمد بطل منتصر ولم آبه له.
عاد الوضع إلى الاستقرار، فتوجه عريف الحفل إلى المنصة، وبُدِئ بالنشيد الوطني حيث أخذ المحتفلون يصفقون تصفيقًا موقعا بإيقاع واحد، ثم انتبه واحد من المسؤولين يجلس على أقصى اليمين إلى المسؤول الذي يجلس في المنتصف تقريبًا ينظر إليه، فزاد من حدة تصفيقه بعدما داهم عيونَه رعبٌ مفاجئ، غير أن الآخر لم يحِدْ عنه بنظرته المتوعدِّة، فأخذ المرعوب يغني النشيد مع الآخرين حيث تميز صوته العالي والشاذُّ، من دون شك، لم يكن ذلك الدور هو الدور المرسوم له، فلم يجد المسؤولون نفسهم إلا في مأزق الإنشاد، ثم تجاوز المرعوب التصفيق والإنشاد إلى رفع قبضة اليد ملوحًا ثم قفز فوق المقعد وأصيب بنوبة انفعال ثوري، فصار باقي المسؤولين يلاحقون سلوكه وانفعاله حتى أن الكاميرا التلفزيونية التي كانت تصور المشهد عن قرب تراجعت لتصور الثورة العارمة التي اجتاحت الصالة كلها.
ثار تصفيق شديد بعد الانتهاء من النشيد الوطني، فأخذ الجميع يجلسون، غير أن مجموعة من الواقفين في الصفوف الخلفية أخذوا يهتفون الهتاف نفسه، كان المسؤوليون في هذه الأثناء قد تنفسوا الصعداء وجلسوا، غير أن الأحمق المرعوب نفسه عاد وورَّطَهم في الوقوف من جديد. وما جلسوا وعاد الصمت إلا بعد شق الأنفس.
أخذ العريف يلقي شعرًا قويًّا أوقع الميكرفونات، فاضطر لتعديلها بعد تصفيق شديد من الجمهور، ثم قدم الخطيب الأول.
كُنتُ مشغولا بالتمثيلية أراقبها بشيء من الفضول من دون أن أنسى الضابط الذي لا أعلم لم سلطه الله علي حتى يراقبني، فمن المؤكد أن الله رحيم ونبيل ولا يراقب الناس بهذه الطريقة، وما أن التفت صوبه للمرة الثانية حتى حمدت الله لأنه كان ينظر ويتوعد زميلي وليس أنا، فاعتدلت وشددت من عزيمتي ونفشت ريشي كديك، غير أن الألم عاد أشد، أحسست أنه أستوطن في لوح الكتف، عدلت قليلا من وضع البارودة الفارغة، وأبعدت قدمي نصف سانتيمتر فقط جَعَلَت الضابط يقف من مكانه، ثم انتبه إلى نفسه، فهو يحرم الذين خلفه من الخطاب الثمين الذي يلقيه الخطيب، فجلس وهو يشير إلي بثلاث أصابع إشارة توعُّد، لزمت مكاني جامدًا ثابتًا بموقف بطولي، أكاد أنفجر من الألم، وأنا أستعيد العقوبات التي تنتظرني في الكتيبة.
الخطيب الثاني سبق أن رأيته في التلفزيون، وجهه منفوخ مثل كرة ويحتفظ بثلاث انتفاخات شحمية؛ اثنين تحت عينيه، وثالث ضخم تحت ذقنه، لا أعرف ما ضرورة أن يأتوا بخطيب بشع للغاية، إلا إذا كان في نيتهم أن يثيروا الرعب في الناس، على كل حال، فذلك موضوع آخر، وفيه وجهة نظر.
أخذتُ أعد الأوراق التي يحملها، وفشلت أخيرًا لأنه كان يقرأها وهو يرتجف، وحمدت الله أنه كان يتخلص من الأوراق بصفها على الطاولة، بينما كنت أدعو الله أن ينهي هذه الورقة، بدأ التصفيق ثم تلاه الهتاف المدروس بعناية، الذي لم يكد ينتهي هذه المرة. أخيرًا عاد إلى قراءة الخطاب، لم أفهم منه كلمة واحدة لأن الألم أخذ يزداد تركيزا، وصار لا بد من الحركة يمينا أو يسارًا لأتخلَّصَ من الألم الذي خدر يدي وامتد إلى ظهري بشدة التركيز نفسها أو أكثر. ولكن أعين الضابط زجرتني، فعدلت عن مجرد الحركة واحتملت الألم أكثر.
«بدي ياكن متل الصنم، ما تحركوا ولا حركة! واللي بيحرك، يا ويلو يا ظلام ليلو!»
صار تهديده يُحوِّمُ في أذني فصرت محاصرًا بين ألمي وتخوفاتي وذكرياتي المرعبة التي تنتظرني.
أراقب الورقة نفسها التي سينتهي منها أخيرًا، اللعنة! إنه يتناول كوب الماء الموضوع أمامه ويشرب. يُثيْرُ تصفيقًا وهتافًا جديدين! اللعنة على هذه الورقة التي لن تنتهي.
لم ينته الخطيب البشع من خطابه إلا بعدما شلت كل قدرة عندي على مراقبة ما يجري أمامي. راح الألم يسير في جسمي، وصار حيث لا بُدَّ من التحرُّك حتى أخفف شيئا من انتشاره المرعب قليلاً، لكن الحركة أثارت الألم إلى أقصاه فعدت إلى وضعي المتجمد وتركته يمشي كيفما أراد، ومع كل تقدم في أنحاء الجسم كان الألم يتحول إلى ألم جامد وثابت، لا ينتهي.
جاء دور الخطيب الثالث، غريب! كنت أراه على شاشة التلفزيون جميلا طويلا كبير الحجم ليس كما الآن، ولم تكن تظهر بشرته المجدورة، يمر إلى المنصة أثناء الهتاف الذي افتعله الحضور في الصفوف الخلفية. في أثناء هذه الضجة، تقدم اثنان من المرافقين من الكواليس دافعًا درجًا خشبيًّا صغيرًا ذا ثلاث درجات، ثبته خلف طاولة الخطيب، فتقدم الخطيب ثم صعد فوقه وراح يُحيي الحضور ويردد هتافهم على الميكروفون.
لم تكن معه أوراق سيُلقي خطابه ارتِجالاً إذن، عليًّ أن أستسلم للألَم الذي راح يذوب متعشقًا كل جسمي وعقلي، وصار جزءا من شموخي وعزتي ورجولتي، وبطولاتي وكبريائي وريشي المنفوش ومناخيري المرفوعة إلى السماء. تجمد أنفي إلى الأعلى حيث الشموخ، وربط نظري إلى نقطة واحدة فقط وهي المجد، ولم أعد أقوى على معرفة ما يدور من حولي أو رؤية أعين الضابط أو الخطيب أو حتى الهتافات المرتبة وبدأ الزمن يتسارع، أما الخدر الذي أصابني فقد ساعدني على تحمُّلِ ما يقوله الخطيب وصوته البشع.
لم ينته الخطاب لأنه انتهى فعلا بل لأن صوته قد بح، فراح يقرب الميكرفون أكثر بينما التصفيق والهتافات تشكل فواصل مدروسة بعناية. ثم تلاه غيره من الخطباء حتى انتهى المهرجان أخيرا، لم أصدق أنه انتهى إلا عندما غادر الجميع الصالة بصمت وتهذيب مثلما حضروا، نسيت أني عشت قبل المهرجان، اختفت ذاكرتي وصرت أعتقد أني كائن ولد ليكون في هذا المهرجان وحسب، ويتألم كل الوقت.
كان ألمي قد حولني إلى صنم شمعي لا أقوى على حركة واحدة، ولأول مرة أرى ابتسامة على وجه الضابط الذي اقترب مني وهنَّأني بخطاب مقتضب على بطولتي وشموخي ووقفة العز.
من المجموعة القصصية ريحة بارود



0 Comments:
Enregistrer un commentaire
Links to this post:
Créer un lien
<< Home