حوار مع علي ق
هذا أنا.. هكذا أرى العالم.. وهكذا أرسم
حاوره: مطاع القاق
استطاع علي ق أن يرمم تجربته في الرسم، تجربة جعلته يتنقل بشكل دؤوب سعيا وراء المجهول، فقاده ذلك إلى أسلوب جعله يرمي معظم أسلحته كرسام متحررا من المفاهيم التي تقيد اللوحة، مكتفيا بالمُلِحِّ والضروري في البحث عن ذاته. الثرى التقته وكان معه هذا الحوار:
قلت لي إن عملك يجعلك تصاب بإحباطات متنوعة ما هي هذه الإحباطات؟
الشغل باللوحة صعب جدا لأنك تسعى دائما للقبض على شيء ما في داخلك شيء تشعر بوجوده حقا.
ما هو هذا الشيء؟
دعنا نقل إنه نقطة معينة، أو مجرد فكرة، فكرة بصرية، فتحاول خلال بحثك أن تعبر عنها أو عنه، فتحتاج للإسراع والركض ثم القفز، لكن عندما تقفز وتقع لتلتقطه بيدك تجده ينسل من بين أصابعك ويذوب، تجد أنه كان مجرد وهم وليس من شيء، ولا وجود لأي نقطة أصلا، هذا ما يجعلني أحس بالإحباط، ولكنه ليس إحباطا قاتلا على كل حال لأنك تجد أشياء مختلفة كليا.
هذا الإحباط الذي يصيبني أثناء العمل كما قلت لك إحباط ليس سلبيا، لأنك على كل حال تجد أن فكرة بصرية جديدة أو أكثر قد تولدت عندك، فتبدأ خطوة من نوع جديد وبنشاط جديد، هذا ما يجعلك تكمل الشغل على مساحة جديدة.
هناك نوع من إحباط آخر. فقد تصطدم عند العرض بأشياء غريبة حقا ومتناقضة، يغادرك العمل ويصبح في مكان آخر بعيدا عنك، فتشعر بالغربة عنه وكأن ليس لك علاقة به، مع أنه يعبر عنك في الوقت نفسه! يرى المتلقي شيئا لا على البال ولا على الخاطر، فيقيّمون إحدى اللوحات على أنها أهم لوحة بين اللوحات المعروضة فيضعون معاييرهم وفروقاتهم، وأنت كرسام منتج للعمل حتى وإن كنت لست قادرا على رؤية تلك الفروقات أو تحسسها، يحتاج الأمر بالنسبة لك إلى وقت طويل، عدة أشهر أو سنة أو سنتين، حتى يستطيع العمل أن يعيش وينال استقلاله وينتزع أهميته.
دعنا نتكلم عن اللوحات. من أين يأتي خيار الحرق أو ما هي إمكانية الحرق؟
تأتي المادة لتطرح عليك إمكانياتها الخاصة، ذلك يعني أنك عندما تشتغل بالورق تدفعك رغبة باتجاه الورق كمادة، رغبة غامضة لكن هذه الرغبة تتحول مع الوقت والتجربة من رغبة إلى بحث، بحث عن إمكانيات المادة لتعبر عن فكرتك، ذلك يعني: لنفترض ورقة ما، يمكنك أن ترسم عليها بمواد مختلفة، أيضا يمكنك أن "تجعلكا، تطعجا أو تخزقا " يمكن أن تضع عليها مادة حبر فتتجعد، كرسام تفكر إن تشدها من أطرافها لتتجنب هذا التجعد كما يفعل رسامو –الكواريل- وغيرهم... بالنسبة لي إذا ما رسمتُ على سطح الورقة خطا ما وأرادت أن تتجعد نتيجة تعريضها للماء فلتتجعد، يصبح التجعد عليها إمكانية جديدة للتعبير لا تقل أهمية عن الخط المرسوم ويحمل في نفس الوقت روح وشخصية هذه المادة التي تميزها عن أي مادة أخرى.
من تجارب كتلك تأتي هذه الخيارات، بالتالي يمكن أن يبدأ الحرق نتيجة غضب أو عدائية ما، ومع ذلك يمكن له أن يتحول ليأخذ معاني أخرى جديدة، مثل فكرة ثقب الورقة نتيجة لسؤال: ماذا يكمن وراء اللوحة؟ أي رسام يقف هذا الموقف أمام سطح أبيض صامت ومغلق، فيأتي السؤال: أي شيء وراء هذا السطح؟ من خلال أسئلة كهذه يأتي خيار الحرق.
ألم تؤثر فيك مرحلة برلين لا سيما التعبيرية الألمانية؟
نعم وكنت على قرب شديد من التعبيرية الألمانية، هذا الأسلوب الجذاب المغري، كان ممكنا أن أشتغل على الألوان وعجائن اللون، سألت نفسي: من أين جاءت التعبيرية الألمانية وهل أريد فعلا أن أمشي في هذا الطريق؟ شعرت بأني مختلف عن الشمال الأوروبي، أني آت من مكان آخر من مكان وثقافة مختلفتين تماما، ذلك أحد الدوافع التي جعلتني أتخذ طريقا معاكسا، فتحررت من اللوحة التقليدية الأوروبية ووجدت في العمل على الورق إمكانية أكثر حرية في التعبير، يجب أن تكون تجربتي على الورق.
أريد أن أتحرر من عجينة اللون والمفاهيم المرتبطة بها، كنت مهموما بشيء يحتاج إلى مادة أساسية وإمكانية واضحة، فوجدت نفسي في العمل بالأسود.
من خلال معرفتي الطويلة بك أعلم بأنك مهووس بالألوان وكلما رأيت ألوانا تصرفت كعاشق مجنون، رغم ذلك لا ترسم إلا بالأسود !!!
إن الرغبة في الرسم بالأسود تتعلق بجزء منها بفكرة الصيام، أو كأني في حالة صيام، وأشعر أني في عذاب حقيقي، أرسم أحيانا بالألوان عندما تتوفر الرغبة في ذلك، لكني أشعر أني مشغول بالشيء الذي أعمل عليه، وهو بحث شبيه بالبحث الديني، شبيه بالرقص، ما الذي يجعل الراقص يضبط نفسه ضمن حركات محددة جدا، يخضع نفسه لانضباط ولمراقبة شديدة فترة طويلة، ذلك يعطي معنى كبيرا وحلوا للجنون ساعة خروجه. في الثقافة البوذية يقوم الرهبان ببناء رسومات كبيرة بالرمل الملون حبة حبة لفترة طويلة قد تصل إلى خمس أو ست سنوات وفي النهاية وفي يوم عيدهم يمدون يدهم ويفعلون باللوحة هكذا: بونْ! يشطبونها بيدهم بحركة واحدة فيضيع كل ذلك العمل الطويل.
لكن هذا فعل عبثي ويناقض ما حكيته من قبل عن الصعوبة وبقاء الأثر.
صحيح لكنني أتكلم عن إخضاع الذات للانضباط حيث تجد نفسك أمام لحظة وجودية بمعنى ما، أي ماذا بنيت حتى تهدم؟ أو ماذا كان هدفك؟ تختلط الأمور ببعضها.
نعيش ونحن نريد شيئا، فنكتشف فيما بعد أن ما كنا نريده شيء آخر مختلف كليا. لنأخذ مثالا آخر في العمارة الإسلامية التي تحتوي على تكرار، فعندما تدخل إلى جامع قرطبة في الأندلس، تجد شيئا مرعبا وهائلا، أقواس بشكل لا نهائي، تسأل نفسك: طيب لماذا هذا العدد اللانهائي من الأقواس؟ كان من الممكن أن يكون عدد الأقواس أقل ذلك كاف. لماذا يظهر التكرار المفرط في هذا المكان تحديدا؟ عندي الإجابة في أنه يحمل توتره الخاص بسبب هذه المبالغة، وهذا هو المبهر، بالإضافة إلى أنه راديكالي من الناحية المعمارية لأنه يدفع العمل إلى حده الأقصى أو لنقل بأنه متجاوز للحد الأقصى، لذلك فعندما تراه تحس بأن خلاياك من الداخل تفور وتغلي. أيضا خان أسعد باشا يتضمن خيارا متطرفا ويحمل ذلك التوتر. بالنهاية ربما أقع في تناقض وذلك من حقي كإنسان وفنان فلا يمكن بالنسبة لي شرح فكرة ما، كالبحث عن الذات في مرايا مكسرة تحاول أن تجمعها لتجد نفسك.
لنتكلم عن اللوحات باعتبارها مضمونا. ماذا ترسم؟ أو عن أي شي تحاول اللوحات أن تتكلم؟
عن رأيي بالعالم.
ولكن الرأي محدد ويحكمه منطق متفق عليه؟
كيف؟
إن كان الرأي في شيء ما يتضمن نسبيا حكما موضوعيا، فإن الموقف من ذلك الشيء يكون حكما غير موضوعي كونه يتضمن قدرا غير قليل من العاطفة.
بكل تأكيد أعمالي هي أعمال ذاتية بحتة تتضمن موقفا من الحياة والعالم والفن. تخيل سبيكة، أعمالي مثل سبيكة، فيها عدة عناصر تجعل منها ذاتية، وتعتمد على تجربة ما لا تفترض أنها صحيحة أو خاطئة.
ولكن معياري الصح والخطأ غير صحيحين على الإطلاق.
أوافقك، لنقل المصطلح الصحيح إذن، أعمالي تنتمي إلى الموقف، موقف سواء كان كبيرا أم صغيرا، هذا الحكم لا أستطيع أقرره أو لست أنا من يقرره، الزمن من يقرر ذلك، أخيرا هو موقف، هكذا أرى العالم وهكذا أرى الفن، وهذا هو الشيء الذي أقدمه، وهذه هي الطريقة التي أشتغل فيها، من إن الشغل حسي بحت أو ذاتي لكنه يحوي إطلاعا على ما يجري بالعالم، أو يحوي حساسية بتأثير الفن في العالم، العالم الغربي تحديدا. أهم ما في العمل هو ذلك الشيء الذي تراه أمامك داخل أربع زوايا، أيضا أن يكون حاملا لتوتر.
تكلمت عن هذا المصطلح "التوتر" من قبل ولكنني لم أفهم ما تقصده بالضبط. هل التوتر الذي يعني الانفعال؟
كلا! الانفعال كلمة خاطئة، فالانفعال يعبر عن جزء صغير من العملية، التوتر هو انفعال وحدس.
لكني أفهم التوتر بمعنى سلبي؟
أبدا! التوتر أن تشتغل على حدود المادة، مثل أن يمشي لاعب السيرك على حبل مشدود. هذا الموقف يتضمن لحظة توتر، لأنه معرض للسقوط في أي لحظة، فيمشي على حد فكرة المشي، ذلك يتضمن شيئا مهما ألا وهو فكرة المغامرة، فأنا وكل الناس يمشون في العادة على الأرض بيقين حتى من دون أن يفكروا بفكرة المشي، لكن عندما أمشي على حبل مشدود اعرض نفسي للخطر في كل لحظة، يسأل المرء ذاته: ما هي تلك الرغبة الغامضة في المشي على حبل مشدود؟ هل هي رغبة في تحدي المنطق تحديا جذريا وكاملا؟ ذلك يتضمن موقفا راديكاليا. ينجح العمل على قدر ما يحمل في داخله توترا خاصا، في الأعمال التي أنتجتها والمعلقة في خان أسعد باشا يكون العمل مثاليا، بقدر ما تقل الإشارات الموجدة إلى أكبر درجة ممكنة لكي تحمل توتر...
بؤرة توتر؟
صحيح، بؤرة توتر.
هل يضايقك الحديث عن التلقي؟
لا أبدا
يهمني كمتلقي أن أُفتن بالعمل قبل أي شيء آخر ومن دون أي مبرر. ماذا يهم المتلقي غير أن يفتن بعمل منجز؟ مثلا خان أسعد باشا إنه بحد ذاته يشدني أنا الطفل الملعون غير المثقف والذي يحب الأشياء المتقنة والفتانة؟
لا أوافقك الرأي
لماذا؟
لأن الطفل أيضا يفكك الأشياء ليعرف كيف صنعت.
الأمور التقنية لا تخص الفنان وحده لأن التقني هو الحامل والمتلاحم مع المادة لتحقيق المنجز النهائي، بمعنى آخر التقنية هي اللغة.
أستطيع أن أفهم أن التقنية جزء لا يتجزأ من العمل المنجز؟
بالضبط.
طيب لنتكلم عن التقنية والتلقي معا! أين يسيء المتلقي فهمك؟ أو ما هو السؤال الذي يشعرك بأنك في واد والمتلقي في واد آخر؟
عندما يقول لي: إنك تشتغل بالأبيض والأسود! وردة فعلي تلقائية وجاهزة وبديهية: أنا أرسم بالأسود فقط. ماذا يعني ذلك أن أقول بأني أرسم بالأسود فقط؟ من أول تجربتي استبعدت الأبيض من لوحتي، فلدي فرشاة واحدة ولون أسود.
و لكن لديك لوحة سوداء مرسوم عليها بالأبيض؟
صحيح، لكن بمنطق مختلف. منطق لون فوق لون، ليس بمنطق اللونين معا.
ماذا يعني؟
لأن اللونين معا يعطياني احتمالات جديدة فيخففان الصعوبة، يعطياني جملة مختلفة قد أجد فيها ثرثرة على ما أريد أن أقول. أفضل أن أعمل بأقل الإمكانيات الممكنة، وكما قلت لك فإني أعمل بلون واحد وهو الأسود، ووجدت نفسي أثناء العمل بهذه الطريقة قد وصلت إلى أماكن محرجة. فكان اللون الأسود يتمادى ويتمدد على السطح الأبيض حتى تلاشت المساحة البيضاء، وبتمدد اللون الأسود على سطح الورقة البيضاء مع عدم وجود خط الرجعة يكون الشكل قد ضاع وغادر حدود تصوراتي وأكون قد وصلت إلى مكان لا يعطيني أي مجال للحركة، ماذا أعمل؟! وصلت إلى الحل بأن أكمل دهان اللوحة بالأسود على اعتبار ذلك بداية جديدة، لأعود وأرسم فوقها باللون الأبيض، والغريب أني لما بدأت بالرسم باللون الأبيض فوق سطح اللوحة المدهون بالأسود، الأسود مادتي التي أشتغل بها والتي هي أساسًا شكلي، لم يعد ممكنا أن يكون الأسود مجرد خلفية، بل كان خلفية حاملة لذكرى محاولة الرسم الأولى.
فحملت اللوحة نكهة خاصة ومختلفة عن اللوحات الأخرى. هذا يقودنا إلى الحرق بالأعمال، ونفذت ذلك على الأعمال الصغيرة. هذه الأعمال عندما حرمتها، أو منعت نفسي من أن أشتغل عليها باللون الأبيض، كنت أقع في مشكلة تتعلق بالشكل الذي يكبر و يكبر. طيب كيف يمكن أن أتقدم خطوة إلى الأمام باستبعاد فكرة الرجوع إلى اللون الأبيض؟
فحرقت؟!!
فحرقت.. جاء الحرق كاحتمال جديد في فتح ثقب جديد وتدمير المساحة السوداء وإن على حساب تدمير الحامل الأساسي للوحة الورقة، فكان الحرق بمعنى التدمير.
إنها تجربة تحتاج لشجاعة كبيرة.
طريقة عملي تشبه إلى حد كبير المحاربين الذين كانوا يربطون أرجلهم حتى لا يتراجعوا، هكذا يصير الاحتمال مريحا وإن صعبا، فرأسي يرتاح نهائيا من فكرة الرجوع، أفكر بما أراه أمامي وحسب وأركز طاقتي بهذا الاتجاه.
لنتكلم عن لوحات الفوتوغراف الثلاث وعرض السلايد.
هنالك مرحلة من مراحل عملي تشكل أهمية عندي منذ ثلاثة سنوات، عندما اشتغلت مجموعة السيري الكبيرة بالفوتوغراف.
أذكر أنهم 50 لوحة.
ثم اختصرتهم واختصرتهم حتى صاروا 13 عملا المعروضين الآن في الخان وانتقيت منهم 4 لوحات مطبوعين على ورق فوتوغراف. اشتغلت في هذه التجربة على الشكل بإخفاء الجسم الذي أصوره، الجسم الذي هو أنا شخصيا، كنت أصور نفسي بعد أن أغطيها بأشياء أنتقيها من المكان الموجود فيه، أشياء غير معينة مثل حجر أو ورقة أو حذاء من دون أن تحمل أي إشارة أو دلالة مقصودة، وعندما يحكي ذلك الشيء زيادة عن اللزوم استبعده وآخذ يدي، يدي على أنها أقرب ما يمكن من وجهي، كنت أصور وأتوصل إلى نتائج تبقى الصور مدة أو أسبوع حتى أستطيع أن أحكم على الصور وأنتقي الجيد منها مستبعدا أي فكرة مسبقة أو جاهزة أو أدبية.
ماذا عن الموسيقى المرافقة للمعرض؟
كنت حذرا جدا في اختيار الموسيقى، فهذه أول مرة أعرض بمرافقة الموسيقى، سألت نفسي: ماذا يمكن أن تعطي هذه الموسيقى للعمل؟ هل هو شيء جمالي؟ إذا ما أغمضت عيونك وسمعت الموسيقى وحدها، هل يصل الشيء المفروض أن يصلك من دون أن ترى الصور؟ تم اختيار هذه القطعة لأرفوبيرت بعد تجارب كثيرة، وجدت أن هذه الموسيقى لا تتضارب مع العمل، العملان يعطي بعضهما الآخر وبندية، أو نوعا ما تستطيع الموسيقى أن تخدم الفكرة الحاملة لهذه الأعمال التي تحكي عن التراتبية وعن النور الذي يضيء وينطفئ، ولكن بتصاعد من البداية حتى النهاية، واستطاعت اللوحات ال12 أن تتوزع على هذه القطعة الموسيقية ضمن مونتاج متطابق معها.
رغم أن المعرض قد حقق نجاحا في بيروت، كنت قلقا وأنت تعلق اللوحات في خان أسعد باشا فقلت لي وأنت تعلق أحد الأعمال الكبير: "أنا لوين فايت؟ وشو هاد اللي عم علقو بهـ المكان اللي ما عم بيقللي غير طلاع لبرة إنت وشغلك". احكي لنا عن مشاعرك تلك.
يولد العمل ويعيش وينام من خلال علاقته بالمكان الموجود فيه، بمجرد أن وضعت الأعمال الثلاثة المنفذة بالغرافيت والتي تحوي شيء معماري بطريقة بنائهم تجعلهم يقفون بقوة من حيث التأليف في مكان معماري لا يقول عمليا إلا هذا الشيء، وشعرت أنه ينطبق علي المثل "عم تبيع مي بحارة السقايين" هذا الشيء أشعرني بالخوف من أن لا يُرى عملي، وشعور آخر له علاقة بالمغامرة، أي حتى لو لم ير عملي فإن فرصة تتاح له بأن يعيش التحدي مع هذا المكان.
قلت لي إن عملك يجعلك تصاب بإحباطات متنوعة ما هي هذه الإحباطات؟
الشغل باللوحة صعب جدا لأنك تسعى دائما للقبض على شيء ما في داخلك شيء تشعر بوجوده حقا.
ما هو هذا الشيء؟
دعنا نقل إنه نقطة معينة، أو مجرد فكرة، فكرة بصرية، فتحاول خلال بحثك أن تعبر عنها أو عنه، فتحتاج للإسراع والركض ثم القفز، لكن عندما تقفز وتقع لتلتقطه بيدك تجده ينسل من بين أصابعك ويذوب، تجد أنه كان مجرد وهم وليس من شيء، ولا وجود لأي نقطة أصلا، هذا ما يجعلني أحس بالإحباط، ولكنه ليس إحباطا قاتلا على كل حال لأنك تجد أشياء مختلفة كليا.
هذا الإحباط الذي يصيبني أثناء العمل كما قلت لك إحباط ليس سلبيا، لأنك على كل حال تجد أن فكرة بصرية جديدة أو أكثر قد تولدت عندك، فتبدأ خطوة من نوع جديد وبنشاط جديد، هذا ما يجعلك تكمل الشغل على مساحة جديدة.
هناك نوع من إحباط آخر. فقد تصطدم عند العرض بأشياء غريبة حقا ومتناقضة، يغادرك العمل ويصبح في مكان آخر بعيدا عنك، فتشعر بالغربة عنه وكأن ليس لك علاقة به، مع أنه يعبر عنك في الوقت نفسه! يرى المتلقي شيئا لا على البال ولا على الخاطر، فيقيّمون إحدى اللوحات على أنها أهم لوحة بين اللوحات المعروضة فيضعون معاييرهم وفروقاتهم، وأنت كرسام منتج للعمل حتى وإن كنت لست قادرا على رؤية تلك الفروقات أو تحسسها، يحتاج الأمر بالنسبة لك إلى وقت طويل، عدة أشهر أو سنة أو سنتين، حتى يستطيع العمل أن يعيش وينال استقلاله وينتزع أهميته.
دعنا نتكلم عن اللوحات. من أين يأتي خيار الحرق أو ما هي إمكانية الحرق؟
تأتي المادة لتطرح عليك إمكانياتها الخاصة، ذلك يعني أنك عندما تشتغل بالورق تدفعك رغبة باتجاه الورق كمادة، رغبة غامضة لكن هذه الرغبة تتحول مع الوقت والتجربة من رغبة إلى بحث، بحث عن إمكانيات المادة لتعبر عن فكرتك، ذلك يعني: لنفترض ورقة ما، يمكنك أن ترسم عليها بمواد مختلفة، أيضا يمكنك أن "تجعلكا، تطعجا أو تخزقا " يمكن أن تضع عليها مادة حبر فتتجعد، كرسام تفكر إن تشدها من أطرافها لتتجنب هذا التجعد كما يفعل رسامو –الكواريل- وغيرهم... بالنسبة لي إذا ما رسمتُ على سطح الورقة خطا ما وأرادت أن تتجعد نتيجة تعريضها للماء فلتتجعد، يصبح التجعد عليها إمكانية جديدة للتعبير لا تقل أهمية عن الخط المرسوم ويحمل في نفس الوقت روح وشخصية هذه المادة التي تميزها عن أي مادة أخرى.
من تجارب كتلك تأتي هذه الخيارات، بالتالي يمكن أن يبدأ الحرق نتيجة غضب أو عدائية ما، ومع ذلك يمكن له أن يتحول ليأخذ معاني أخرى جديدة، مثل فكرة ثقب الورقة نتيجة لسؤال: ماذا يكمن وراء اللوحة؟ أي رسام يقف هذا الموقف أمام سطح أبيض صامت ومغلق، فيأتي السؤال: أي شيء وراء هذا السطح؟ من خلال أسئلة كهذه يأتي خيار الحرق.
ألم تؤثر فيك مرحلة برلين لا سيما التعبيرية الألمانية؟
نعم وكنت على قرب شديد من التعبيرية الألمانية، هذا الأسلوب الجذاب المغري، كان ممكنا أن أشتغل على الألوان وعجائن اللون، سألت نفسي: من أين جاءت التعبيرية الألمانية وهل أريد فعلا أن أمشي في هذا الطريق؟ شعرت بأني مختلف عن الشمال الأوروبي، أني آت من مكان آخر من مكان وثقافة مختلفتين تماما، ذلك أحد الدوافع التي جعلتني أتخذ طريقا معاكسا، فتحررت من اللوحة التقليدية الأوروبية ووجدت في العمل على الورق إمكانية أكثر حرية في التعبير، يجب أن تكون تجربتي على الورق.
أريد أن أتحرر من عجينة اللون والمفاهيم المرتبطة بها، كنت مهموما بشيء يحتاج إلى مادة أساسية وإمكانية واضحة، فوجدت نفسي في العمل بالأسود.
من خلال معرفتي الطويلة بك أعلم بأنك مهووس بالألوان وكلما رأيت ألوانا تصرفت كعاشق مجنون، رغم ذلك لا ترسم إلا بالأسود !!!
إن الرغبة في الرسم بالأسود تتعلق بجزء منها بفكرة الصيام، أو كأني في حالة صيام، وأشعر أني في عذاب حقيقي، أرسم أحيانا بالألوان عندما تتوفر الرغبة في ذلك، لكني أشعر أني مشغول بالشيء الذي أعمل عليه، وهو بحث شبيه بالبحث الديني، شبيه بالرقص، ما الذي يجعل الراقص يضبط نفسه ضمن حركات محددة جدا، يخضع نفسه لانضباط ولمراقبة شديدة فترة طويلة، ذلك يعطي معنى كبيرا وحلوا للجنون ساعة خروجه. في الثقافة البوذية يقوم الرهبان ببناء رسومات كبيرة بالرمل الملون حبة حبة لفترة طويلة قد تصل إلى خمس أو ست سنوات وفي النهاية وفي يوم عيدهم يمدون يدهم ويفعلون باللوحة هكذا: بونْ! يشطبونها بيدهم بحركة واحدة فيضيع كل ذلك العمل الطويل.
لكن هذا فعل عبثي ويناقض ما حكيته من قبل عن الصعوبة وبقاء الأثر.
صحيح لكنني أتكلم عن إخضاع الذات للانضباط حيث تجد نفسك أمام لحظة وجودية بمعنى ما، أي ماذا بنيت حتى تهدم؟ أو ماذا كان هدفك؟ تختلط الأمور ببعضها.
نعيش ونحن نريد شيئا، فنكتشف فيما بعد أن ما كنا نريده شيء آخر مختلف كليا. لنأخذ مثالا آخر في العمارة الإسلامية التي تحتوي على تكرار، فعندما تدخل إلى جامع قرطبة في الأندلس، تجد شيئا مرعبا وهائلا، أقواس بشكل لا نهائي، تسأل نفسك: طيب لماذا هذا العدد اللانهائي من الأقواس؟ كان من الممكن أن يكون عدد الأقواس أقل ذلك كاف. لماذا يظهر التكرار المفرط في هذا المكان تحديدا؟ عندي الإجابة في أنه يحمل توتره الخاص بسبب هذه المبالغة، وهذا هو المبهر، بالإضافة إلى أنه راديكالي من الناحية المعمارية لأنه يدفع العمل إلى حده الأقصى أو لنقل بأنه متجاوز للحد الأقصى، لذلك فعندما تراه تحس بأن خلاياك من الداخل تفور وتغلي. أيضا خان أسعد باشا يتضمن خيارا متطرفا ويحمل ذلك التوتر. بالنهاية ربما أقع في تناقض وذلك من حقي كإنسان وفنان فلا يمكن بالنسبة لي شرح فكرة ما، كالبحث عن الذات في مرايا مكسرة تحاول أن تجمعها لتجد نفسك.
لنتكلم عن اللوحات باعتبارها مضمونا. ماذا ترسم؟ أو عن أي شي تحاول اللوحات أن تتكلم؟
عن رأيي بالعالم.
ولكن الرأي محدد ويحكمه منطق متفق عليه؟
كيف؟
إن كان الرأي في شيء ما يتضمن نسبيا حكما موضوعيا، فإن الموقف من ذلك الشيء يكون حكما غير موضوعي كونه يتضمن قدرا غير قليل من العاطفة.
بكل تأكيد أعمالي هي أعمال ذاتية بحتة تتضمن موقفا من الحياة والعالم والفن. تخيل سبيكة، أعمالي مثل سبيكة، فيها عدة عناصر تجعل منها ذاتية، وتعتمد على تجربة ما لا تفترض أنها صحيحة أو خاطئة.
ولكن معياري الصح والخطأ غير صحيحين على الإطلاق.
أوافقك، لنقل المصطلح الصحيح إذن، أعمالي تنتمي إلى الموقف، موقف سواء كان كبيرا أم صغيرا، هذا الحكم لا أستطيع أقرره أو لست أنا من يقرره، الزمن من يقرر ذلك، أخيرا هو موقف، هكذا أرى العالم وهكذا أرى الفن، وهذا هو الشيء الذي أقدمه، وهذه هي الطريقة التي أشتغل فيها، من إن الشغل حسي بحت أو ذاتي لكنه يحوي إطلاعا على ما يجري بالعالم، أو يحوي حساسية بتأثير الفن في العالم، العالم الغربي تحديدا. أهم ما في العمل هو ذلك الشيء الذي تراه أمامك داخل أربع زوايا، أيضا أن يكون حاملا لتوتر.
تكلمت عن هذا المصطلح "التوتر" من قبل ولكنني لم أفهم ما تقصده بالضبط. هل التوتر الذي يعني الانفعال؟
كلا! الانفعال كلمة خاطئة، فالانفعال يعبر عن جزء صغير من العملية، التوتر هو انفعال وحدس.
لكني أفهم التوتر بمعنى سلبي؟
أبدا! التوتر أن تشتغل على حدود المادة، مثل أن يمشي لاعب السيرك على حبل مشدود. هذا الموقف يتضمن لحظة توتر، لأنه معرض للسقوط في أي لحظة، فيمشي على حد فكرة المشي، ذلك يتضمن شيئا مهما ألا وهو فكرة المغامرة، فأنا وكل الناس يمشون في العادة على الأرض بيقين حتى من دون أن يفكروا بفكرة المشي، لكن عندما أمشي على حبل مشدود اعرض نفسي للخطر في كل لحظة، يسأل المرء ذاته: ما هي تلك الرغبة الغامضة في المشي على حبل مشدود؟ هل هي رغبة في تحدي المنطق تحديا جذريا وكاملا؟ ذلك يتضمن موقفا راديكاليا. ينجح العمل على قدر ما يحمل في داخله توترا خاصا، في الأعمال التي أنتجتها والمعلقة في خان أسعد باشا يكون العمل مثاليا، بقدر ما تقل الإشارات الموجدة إلى أكبر درجة ممكنة لكي تحمل توتر...
بؤرة توتر؟
صحيح، بؤرة توتر.
هل يضايقك الحديث عن التلقي؟
لا أبدا
يهمني كمتلقي أن أُفتن بالعمل قبل أي شيء آخر ومن دون أي مبرر. ماذا يهم المتلقي غير أن يفتن بعمل منجز؟ مثلا خان أسعد باشا إنه بحد ذاته يشدني أنا الطفل الملعون غير المثقف والذي يحب الأشياء المتقنة والفتانة؟
لا أوافقك الرأي
لماذا؟
لأن الطفل أيضا يفكك الأشياء ليعرف كيف صنعت.
الأمور التقنية لا تخص الفنان وحده لأن التقني هو الحامل والمتلاحم مع المادة لتحقيق المنجز النهائي، بمعنى آخر التقنية هي اللغة.
أستطيع أن أفهم أن التقنية جزء لا يتجزأ من العمل المنجز؟
بالضبط.
طيب لنتكلم عن التقنية والتلقي معا! أين يسيء المتلقي فهمك؟ أو ما هو السؤال الذي يشعرك بأنك في واد والمتلقي في واد آخر؟
عندما يقول لي: إنك تشتغل بالأبيض والأسود! وردة فعلي تلقائية وجاهزة وبديهية: أنا أرسم بالأسود فقط. ماذا يعني ذلك أن أقول بأني أرسم بالأسود فقط؟ من أول تجربتي استبعدت الأبيض من لوحتي، فلدي فرشاة واحدة ولون أسود.
و لكن لديك لوحة سوداء مرسوم عليها بالأبيض؟
صحيح، لكن بمنطق مختلف. منطق لون فوق لون، ليس بمنطق اللونين معا.
ماذا يعني؟
لأن اللونين معا يعطياني احتمالات جديدة فيخففان الصعوبة، يعطياني جملة مختلفة قد أجد فيها ثرثرة على ما أريد أن أقول. أفضل أن أعمل بأقل الإمكانيات الممكنة، وكما قلت لك فإني أعمل بلون واحد وهو الأسود، ووجدت نفسي أثناء العمل بهذه الطريقة قد وصلت إلى أماكن محرجة. فكان اللون الأسود يتمادى ويتمدد على السطح الأبيض حتى تلاشت المساحة البيضاء، وبتمدد اللون الأسود على سطح الورقة البيضاء مع عدم وجود خط الرجعة يكون الشكل قد ضاع وغادر حدود تصوراتي وأكون قد وصلت إلى مكان لا يعطيني أي مجال للحركة، ماذا أعمل؟! وصلت إلى الحل بأن أكمل دهان اللوحة بالأسود على اعتبار ذلك بداية جديدة، لأعود وأرسم فوقها باللون الأبيض، والغريب أني لما بدأت بالرسم باللون الأبيض فوق سطح اللوحة المدهون بالأسود، الأسود مادتي التي أشتغل بها والتي هي أساسًا شكلي، لم يعد ممكنا أن يكون الأسود مجرد خلفية، بل كان خلفية حاملة لذكرى محاولة الرسم الأولى.
فحملت اللوحة نكهة خاصة ومختلفة عن اللوحات الأخرى. هذا يقودنا إلى الحرق بالأعمال، ونفذت ذلك على الأعمال الصغيرة. هذه الأعمال عندما حرمتها، أو منعت نفسي من أن أشتغل عليها باللون الأبيض، كنت أقع في مشكلة تتعلق بالشكل الذي يكبر و يكبر. طيب كيف يمكن أن أتقدم خطوة إلى الأمام باستبعاد فكرة الرجوع إلى اللون الأبيض؟
فحرقت؟!!
فحرقت.. جاء الحرق كاحتمال جديد في فتح ثقب جديد وتدمير المساحة السوداء وإن على حساب تدمير الحامل الأساسي للوحة الورقة، فكان الحرق بمعنى التدمير.
إنها تجربة تحتاج لشجاعة كبيرة.
طريقة عملي تشبه إلى حد كبير المحاربين الذين كانوا يربطون أرجلهم حتى لا يتراجعوا، هكذا يصير الاحتمال مريحا وإن صعبا، فرأسي يرتاح نهائيا من فكرة الرجوع، أفكر بما أراه أمامي وحسب وأركز طاقتي بهذا الاتجاه.
لنتكلم عن لوحات الفوتوغراف الثلاث وعرض السلايد.
هنالك مرحلة من مراحل عملي تشكل أهمية عندي منذ ثلاثة سنوات، عندما اشتغلت مجموعة السيري الكبيرة بالفوتوغراف.
أذكر أنهم 50 لوحة.
ثم اختصرتهم واختصرتهم حتى صاروا 13 عملا المعروضين الآن في الخان وانتقيت منهم 4 لوحات مطبوعين على ورق فوتوغراف. اشتغلت في هذه التجربة على الشكل بإخفاء الجسم الذي أصوره، الجسم الذي هو أنا شخصيا، كنت أصور نفسي بعد أن أغطيها بأشياء أنتقيها من المكان الموجود فيه، أشياء غير معينة مثل حجر أو ورقة أو حذاء من دون أن تحمل أي إشارة أو دلالة مقصودة، وعندما يحكي ذلك الشيء زيادة عن اللزوم استبعده وآخذ يدي، يدي على أنها أقرب ما يمكن من وجهي، كنت أصور وأتوصل إلى نتائج تبقى الصور مدة أو أسبوع حتى أستطيع أن أحكم على الصور وأنتقي الجيد منها مستبعدا أي فكرة مسبقة أو جاهزة أو أدبية.
ماذا عن الموسيقى المرافقة للمعرض؟
كنت حذرا جدا في اختيار الموسيقى، فهذه أول مرة أعرض بمرافقة الموسيقى، سألت نفسي: ماذا يمكن أن تعطي هذه الموسيقى للعمل؟ هل هو شيء جمالي؟ إذا ما أغمضت عيونك وسمعت الموسيقى وحدها، هل يصل الشيء المفروض أن يصلك من دون أن ترى الصور؟ تم اختيار هذه القطعة لأرفوبيرت بعد تجارب كثيرة، وجدت أن هذه الموسيقى لا تتضارب مع العمل، العملان يعطي بعضهما الآخر وبندية، أو نوعا ما تستطيع الموسيقى أن تخدم الفكرة الحاملة لهذه الأعمال التي تحكي عن التراتبية وعن النور الذي يضيء وينطفئ، ولكن بتصاعد من البداية حتى النهاية، واستطاعت اللوحات ال12 أن تتوزع على هذه القطعة الموسيقية ضمن مونتاج متطابق معها.
رغم أن المعرض قد حقق نجاحا في بيروت، كنت قلقا وأنت تعلق اللوحات في خان أسعد باشا فقلت لي وأنت تعلق أحد الأعمال الكبير: "أنا لوين فايت؟ وشو هاد اللي عم علقو بهـ المكان اللي ما عم بيقللي غير طلاع لبرة إنت وشغلك". احكي لنا عن مشاعرك تلك.
يولد العمل ويعيش وينام من خلال علاقته بالمكان الموجود فيه، بمجرد أن وضعت الأعمال الثلاثة المنفذة بالغرافيت والتي تحوي شيء معماري بطريقة بنائهم تجعلهم يقفون بقوة من حيث التأليف في مكان معماري لا يقول عمليا إلا هذا الشيء، وشعرت أنه ينطبق علي المثل "عم تبيع مي بحارة السقايين" هذا الشيء أشعرني بالخوف من أن لا يُرى عملي، وشعور آخر له علاقة بالمغامرة، أي حتى لو لم ير عملي فإن فرصة تتاح له بأن يعيش التحدي مع هذا المكان.



0 Comments:
Enregistrer un commentaire
Links to this post:
Créer un lien
<< Home