mutaa al-kak

lundi, janvier 22, 2007

حوريات صدام

حالات صدام المتنوعة
حالة العرب الوحيدة
كم هو محظوظ صدام هذا!
كم أنا تعيس!
لقد نطق صدام بالشهادتين، تأكد ذلك للجميع، إذن سيدخل الجنة، ففي الحديث "من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة"، وفي حديث آخر "إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها". سيكافأ صدام حسين على مجمل أعماله لأنه نطق الشهادتين وحسب، سيكسب مباشرة حتى قبل سؤاله اثنتين وسبعين امرأة أقصد بنتا -سامحني يا ربي على هذا الخطأ- وعلى اثنتين من الحور العين؛ والحور العين ليست مجرد كلمات إنهما امرأتان ليستا أي امرأتين بل هما في غاية الجمال، قد يصاب من يراهما في الحياة الدنيا بالجلطة الدماغية لفرط جمالهن. ففي وصف الحور العين الكثير الكثير "لو أن طاقة من شعرها (الحور العين) بدت لملأت ما بين المشرق والمغرب من طيب ريحها". "يسطع نور في الجنة فرفعوا رؤوسهم فإذا هو من ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها".
وقد تأكد في أكثر من مناسبة أنه قد محا كل ذنوبه فهو يظهر في صورة منشورة في العمق راكعا من دون حذاءين أمام سجادة صلاة، مضاء بشكل جيد وخلفه الدنيا معتمة عتمة الفجر وهو في كامل الخشوع –سبحان الله. ففي الحديث الكريم "فكذلك الصلواتُ الخمسُ يمحو الله بهنّ الخطايا". وثبت أيضا في صورة أخرى أنه حج إلى بيت الله الحرام ومن يحج بيت الله ثوابه النعيم؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجَع كيوم ولدته أمه" (متفق عليه). يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام أيضا: "الحجّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة". (رواه مسلم)
كم هو محظوظ!
كم أنا تعيس!
وماذا بعد؟ كل المكافآت السابقة لأنه عمل شيئا يعمله معظم الناس أما كونه شهيدا فذلك أمر آخر ومكافآته مختلفة كليا.
فبحسب آراء كثير من فقهاء المسلمين وعلماء المسلمين داخل العراق وخارج العراق، داخل البلاد العربية وخارج البلاد العربية، يعد صدام حسين شهيدا وكونه شهيدا فذلك يعطيه مميزات إضافية بل مميزات لا نهائية، فهو يستطيع مثلا أن يضيف للحور العين الكثيرات الكثيرات على حسب ما يرغب، آلاف مؤلفة يستطيع أن يتزوجهن في ذات الوقت كذلك أن يضيف قدرما يشاء للاثنتين والسبعين بنتا ذلك إن أعجنه.. كذلك يستطيع أن يدخن السيكار المستورد خصيصا من كوبا، وأن يبني قصرا على شاكلة قصوره في العراق، فأغلب الظن أن قصور الفردوس لن تليق بمقامه ولن تعجبه، يستطيع أن يقتني مئات الأطقم من البواريد الأمريكية الشبيهة بالمدافع والتي تتسع لطلقات مدفع فلن تكتمل متعته وملذاته إلا بإطلاق النار أمام ملايين الأتباع –نعم لقد نسيت سامحني يا ربي- يحق له كونه شهيدا أن يمتلك ملايين الأتباع، وأن ينفذ حكم الإعدام فيمن يرغب من العباد وأن يعطي شرف تنفيذ الحكم لأقرب المقربين من هؤلاء المحكومين، يحق له كل شيء حتى استخدام الأسلحة الكيماوية ضد شعوبه التي يشعر بأنها خائنة، يحق له أن يبيع أوطانا وأن يشتري أوطانا.
سيكون له فقهاؤه الخاصون وعلماء دين من كل الديانات المعروفة وغير المعروفة ومنظرون بعثيون يكونون من ملكيته الشخصية ينظرون ويشرعون ويعلنون فتاوى حسبما يرغب وتطرب لها الآذان...
أكلة لحوم البقر (ذبح حلال) سيسامحهم الله إن نطقوا بالشهادتين.
أكلة لحوم البشر (ذبح حلال) سيسامحهم الله إن نطقوا بالشهادتين وربما سيصبحون شهداء.
أكلة لحوم الخنزير (ذبح حلال) ستكون لهم جهنم وبئس المصير حتى وإن نطقوا بالشهادتين.
ستصنع آلات ضخمة تفصل رؤوس شاربي الخمر عن أجسامهم.
من ترتدي الحجاب سيرتضي بها إلى جواره في الفردوس، والأخريات ممن لا يرتدينه سيفتض بكارتهن وبئس المصير.
قال تعالى في محكم تنزيله: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاَ بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون".
كم محظوظ صدام!
كم أنا تعيس
!

dimanche, octobre 29, 2006

السبعا وزمتا قصة قصيرة

صار توفيق مسخرة سوق الغنم هذا الصباح، فلم يكن اهتمامه مثل اهتمام الزبون العادي، لم يهتم بعمر الخاروف مثلا صغيرًا كان أم كبيرا، سمينًا أو ضعيفًا، بل انصرف بقلق إلى قياس ليَّات الخراف بشبر يده.
في بداية الأمر، تسابق السماسرة إلى خدمة هذا الزبون الغريب، فما لبثوا أن اكتشفوا أنه مسطول، فلم يفهموا عليه ماذا يريد، سأله أحدهم عن طلبه بالضبط، فقال:
«بدي خاروف طول ليتو سبع شبار!»
فانفجرت الضحكات مبددة كل السماسرة والتجار من حوله.
رغم كل هذه البهدلة والمسخرة وما تلقاه من خرينة السماسرة، فلم ييأس، حتى أنه أمضى كل النهار في البحث من دون أن يجد طلبه! بل إن أطول ليَّة وجدها لخاروف لا تتجاوز الشبرين والنصف.
لكن، أي طلب يطلب؟ سبعة أشبار! هذا يعني على أقل تقدير مترا ونصف المتر، أطول خاروف في كل سوريا لا يتجاوز طوله كله المتر.
رجع إلى الحارة مكسورًا، نظر إلى السماء ودعا ربه في نفسه:
«يا رب!... شو ساوي يا رب؟... بيجوز ما رح إئدر أوفي الندر اللي ندرتو للنبي هابيل... دستور من خاطرو... يا رب ألف ألف شكر وحمد... عطيتني هـ الصبي على سبع بنات... ألف حمد وشكر لقدرك العالي... بس امهلني... امهلني لدبر راسي»
وكما حسب وجد الشيخ في باحة المجلس جالسا قدام باب القاعة يطرق الأرض بعكازته بإيقاعات متواترة. المجلس هو المكان الذي يرهب منه توفيق ويخشى أن يأتي إليه، كذلك الشيخ صاحب الطبع القاسي الذي يستخدم عكازته في تأديب المذنبين، لطالما نالت من جوانبه تلك العكَّازة. دعا إلى ربه أن يكون رائق المزاج، اقترب منه بعد أن سلم عليه وجلس قدامه:
«شو مشكلتك؟»
قال الشيخ ذلك فجأة وبصوت حاد من دون أن يرد السلام أو يلتفت، فتراجع توفيق إلى الخلف وقد ظن أن العكَّازة ستضرب بعنف أحد أطرافه، فراح يشرح مشكلته مرتبكا وهو يراقب ارتطام العكَّازة على الأرض، حتى سكت. فساد صمت، ثم قال الشيخ بصوت عال:
«وليش كتر الغلبة؟»
تراجع توفيق واضعا يديه أمام وجهه.
«حدا بيعمل عملتك؟! يخرب ديارك شو حمار!!»
اعتدل توفيق ولم يتحسب من ضربة متوقعة وغرق في ملابسه، لقد غاب كلام الشيخ في وجه مثل الليمونة، صار متيقنا أن ولده جبر سوف يصيبه مكروه ما -لا سمح الله، لا سمح الله- فأخذ يرجو الشيخ أن يجد له حلا يضمن سلامة ولده.
فدعا له الشيخ وطلب من الله أن يغفر لهذا الغشيم والحمار ويسامحه لأنه لا يفهم سيئًا من شيء، وطلب منه أن يستعيض عن نذره الأول ويأتي بخاروف كبير ويوزعه كله للفقراء، وسوف يقوم بزيارة توفيق، والقراءة فوق رأس جبر والدعاء له.
ورغم أنه فعل كل ما أراد الشيخ بحذافيره، ورغم دعاء الشيخ لجبر بالسلامة وطول العمر بعد أن رأى بعينه كيف وزع الخاروف كله للفقراء، لم يرتح! بل إنه نام على تخته وكأنه نائم فوق منقل جمر، فكلما تحرك ولده أو بكى نط بأربعته، مثل المجنون ليرى ما حل به.
أخيرا قام إلى باب الدار، دخن خمس سيكارات دفعة واحدة، يشعَّل سيكارة من طيز الأخرى، فتجمعت فوق رأسه غيمة من الدخان، لاح من خلالها سكير دخل الحارة، عرفه إنه أبو دياب السأباني، قام ليدخل ثم تراجع، أحب أن ينظر إلى رجل بلا هموم، كان أبو دياب يغني، ويمشي مثل الزيك زاك، فيضحك من دون انقطاع ثم يتابع، جلس توفيق وهو يبتسم، وما كاد أبو دياب يصل حتى طرق بعشرين حائطا جلس بالقرب منه وعانقه من رقبته وقبله. صار يحكي عن نكتة قديمة وبايخة حكاها أحد رفاقه في الخمارة، وكر في ضحكة طويلة طويلة، ما قطعها إلا ضحكة توفيق المجاملة والقصيرة:
«شو بنا أبو جبر؟... لا يكون بدك تفئس لنا السكرة؟.... ولك شو باك مهموم؟!!...»
فما وجد نفسه إلا وهو يحكي عن قلبه المحرق، حكى كل شيء حتى بكى. تناول أبو دياب بطحة العرأ من جيبه الداخلي فتحها ومدها صوبه:
«طول بالك أبو جبر؟!... استغفر ربك وخد لك شفطة... ولك خود هاد العرأ كاسرو جوزيف خود»
أخذ توفيق بطحة العرأ، نظر إليها ثم شرب، مع أنه تاب عن الكحول من عشر سنوات، أجبره أبو دياب على الضحك:
«ولك شو مفكر؟... ألله ما عندو شغلة غيرك؟... هي أنا، ولك أنا عامل السبعا وزمتا؛ بسكر وبحشش وبنيك شراميط... ألله ما عم بيئرب عليي... بعدين قلة حرامية ونصابن وقتالين قتلة بهَـ البلد، ولك عمي قوم... قوم نام.. فأست لي سكرتي تلحس طيزي»
جاء إلى المحل متأخرا ثلاث ساعات، أول مرة يتأخر في كل حياته، مع ذلك، فقد كان راضيًا كل الرضا، وزع مكافآت سخية على الصنايعية من دون سبب، وعمل بنشاط في الأيام التالية، إلا أنه أهمل شيئا ما بسبب اهتمامه الزائد بولده جبر.
جاءت الأيام ومرض ولده، لم يأت إلى المحل إلا بعد الظهر، كان مهموما جدَّا، وكاد يفقد يده لما سها وهو يعمل على شلة الخشب، مع أن الطبيب قد طمأنه كثيرا في الليلة الماضية على صحة الولد السليمة والقوية فلم ينم جيدا البارحة، كان مرهقا للغاية من هذا النهار الطويل وما لبث أن وضع رأسه على المخدة حتى غفا وصار يشخر، فشاف في منامه رجلا ضخما بطول عشرة أمتار يلبس البياض الناصع ووجهه يضيء، قال له:
«توفيق!.. يا توفيق!.. بعدك ما وفيت الندر يا توفيق!... بعدك ما وفيت الندر يا توفيق... بعدك ما وفيت الندر......»
نطَّ من التخت بأربعته وصرخ صرخة نبهت زوجته أمال من نومها، وأخذ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ومن شر الوسواس الخناس وهو يغير ملابسه بسرعة، ثم خرج من دون أن يجيب على امرأته بكلمة.
لم يكن ذاهبا إلى مكان محدد، لكنه لن يعود قبل أن يجد حلا لمشكلته بأي وسيلة كانت! لكن، في هذا الليل؟ وأين؟
كان قد وصل إلى رأس الحارة عندما لمعت الفكرة في رأسه؛ أبو دياب السأباني! لا يوجد غيره، إنه هو، هو من جعله كسلانا لا يبحث عن حل لمشكلته، هو وحده، وعليه أن يجد حلا. لكن، أين يجده في هذا الليل؟! لا بد أنه في خمارة جوزيف.
كان مجيء توفيق قد أخرج جوزيف من ورطة؛ لقد انتهى الوقت المسموح له أن يفتح خمارته، ولا يكاد الزبائن المداومون ينتهون أحاديثهم وضحكهم العالي، وزاد صراخهم وضحكهم وصول رفيقهم القديم، إلا أنهم انشغلوا في أحاديث جانبية لما اصطدموا بوجهه العابس، قرَّب توفيق من أذن أبو دياب وهمس:
«أبو دياب.. عاوزك»
«لعيونك أبو جبر، وصلت.. ومحلولة كمان... روء، و روِّءنا!»
رد عليه وهو يجلسه ويربت على كتفه ولم يقبل أن يكلمه في الموضوع أو يخرج معه قبل أن يأخذ كأسا، فشرب، وشرب الجميع بصحته، وبسرعة امتزج معهم وراح يضحك، حتى كاد ينسى همه.
قال له وهما يمشيان إلى الحارة بأنه سيحل له مشكلته، شرط أن يعطيه معلاء الخاروف وقنينة كبيرة من العرأ، ولما وافق توفيق من دون أخذ ورد، طلب منه أن يدخل إلى بيته وينام.
لم يطل نوم توفيق، فقد قام من الفجر، وراح مباشرة إلى سوق الغنم، فما لبث السماسرة أن ابتعدوا عنه، ولكنه اشترى خاروفا كبيرا في النهاية، وفي طريق العودة اشترى ثلاث قناني عرق كبيرة، ربط الخاروف في المدخل وطلب من أمال أن تضع القناني في الداخل، ثم خرج مباشرة.
نظرت أمال إلى توفيق ثم إلى ما يحتويه الكيس، فقالت في نفسها «جن توفيق». بينما تجمعت البنات حول الخاروف وصرن يلعبن به.
دخل أبو دياب واستمر إلى أرض الديار حيث عمود عرشية العنب، ضرب عليه بكف يده ليختبر متانته:
«هاد العمود منيح... توفيق... هات الخاروف واربطوا بهـ العمود»
ذهب توفيق مباشرة من دون أن يفكر.
«وإنتي روحي جيبي الولد لهون... »
نظرت إليه أمال باستغراب فصرخ بوجهها.
«اتحركي!»
ذهبت أمال إلى أوضة المعيشة في اللحظة التي جلب فيها توفيق الخاروف وربطه بالعمود.
«منيح هيك... نيم الخاروف»
قلب توفيق الخاروف على الأرض ووضع عليه ركبته، فصار يمعِّي، لما أتت أمال بالولد وهي تعانقه وتنظر خائفة، إلى الخاروف المسكين:
«ناوليني الولد!»
ترددت أمال ثم نظرت إلى توفيق وهي تعطيه إياه، فراح يبكي، ثم طلب منها أن تساعد توفيق في تثبيت الخاروف، وطلب من البنت أن تأتي وتمد ليَّة الخاروف ففعلت ثم انحنى وبيده الولد:
«بسم الله الرحمن الرحيم... شوف توفيق»
نظر توفيق بغباء إلى أبو دياب الذي مد كف الولد وراح يقيس ليَّة الخاروف بشبر الولد:
«واحد، تنين، تلاتة... إلت لي كام شبر بدك؟»
«سبعة أبو دياب سبعة!»
«وهي أربعا، وهي خمسة، وهي ستة، وهي السبعا وهي زمتا!»
ثم وقف أبو دياب وهو ينظر إلى توفيق ويضحك ضحكة طويلة عريضة، لتظهر أسنانه المقلوعة، وهو يحمل جبر الذي ألفه وصار يلعب بشاربه، والكل متجمدون ينظرون إليه ولا يقوى أحد على الحركة.

vendredi, juin 09, 2006

حبيبي! حبيبتي!!.... قصة قصيرة

أحسست بألم شديد في ذراعيَّ. كيف لا! وأنا أحمل كيسين كبيرين، في كل يد واحد يزن 35 كغ، لقد وازنتهما بكثير من الدقة، ويديَّ قويتان يمكن أن أحمل مثل هذا الوزن بسهولة كبيرة، عاودت تقديرها، حتما الوزن أكثر من ذلك، لا فرق، قررت المتابعة وعدم التوقف إلا عند حاوية الزبالة، فقد كنت أريد أن أخلص.

«في كيسين زبالة كبار إدام المجلا، تصبح على خير»

قالت زوجتي ذلك ثم تمددت بجانبي على السرير ونامت، نامت بسرعة كعادتها، وصارت تتنفس بمشقة تنفسا أشبه ما يكون بالشخير. قلقتُ ولم أستطع النوم، رحت أراقب جثتها المتطاولة التي تتنفس، رأس وشعر طويل وصدر كبير وبطن وطيز وأفخاذ، مثل كل النسوان. لم أستطع النوم، صرت أنفخ وأنفخ حتى كاد الهواء أن يخلص، يا إلهي! هل الجحيم أسهل من البقاء في هذا المكان؟! كل ثانية تعادل مائة يوم، أي جحيم هذا! وقفت فوق السرير، نظرت إليها من الأعلى، ركعت، تناولت المخدة الناعمة، جلست على بطنها، كمشت شعرها وفتلته بعنف، صار وجهها مقابلي، أطبقت المخدة على أنفها ووجهها وضغطت، ضغطت بكل قوتي، صارت تخبط بيديها ورجليها محاولة الإفلات، ثم هدأت، هدأت تماما، لم تعد تتنفس، تراجعتُ، رميت المخدة كيفما اتفق، تنهدت، تمددت في مكاني على السرير، أشعلت سيكارة، ودخنتها بكل متعة، لأول مرة في حياتي، أستمتع بالسيكارة وأنا أرى زوجتي ميتة لا تتنفس. قفزت من السرير بنشاط، أنرت الضوء، تقدمت منها، كانت مشعثة تنظر بعينين جاحظتين، كمشتها من شعرها وجررتها إلى المطبخ، رميتها أمام المجلا، التفت إلى البراد، باحثا عن الكيس الذي يحوي السكينة الحادة والساطور فلم أجده في مكانه، ارتفع الدم إلى رأسي، اندفعت إلى أوضة النوم غاضبا لأصرخ بامرأتي، كيف لها أن تعبث بأشيائي؟ تعثرت بصدرها ووقعت، انتابتني ضحكة هازئة من نفسي وتذكرت ما فعلته بها منذ قليل... ولكن هناك مشكلة؛ أين الساطور والسكينة الحادة؟ فعلا هنالك أمام البراد كيسا زبالة كبيران ملونان، يوحيان أن فيهما حلويات وفاكهة، أخيرا وجدتهما على المجلا ولكن الغريب إنهما مليئين بالدماء ورائحة البسطرما تعبق من هذا الدم المسود، لم يأكل البسطرما أحد غيري! زوجتي تكره البسطرما ورائحة البسطرما وصانع البسطرما لا تطيقها، وعندما آكلها تخرج إلى البرندا وتظل حتى انتهي، كذلك فعلت هذا المساء فدعوتها للدخول حتى أصالحها، فهجمت كالمجنونة على الرف حيث تناولت كمامة حتى لا تشم شيئا ووضعتها على أنفها، ثم أمرتني أن أدخل إلى الحمام لأتحمم بأقصى سرعة، وقد استجبت لإرادتها لأنها تثير فيَّ الرعب عندما تكون غاضبة، لحقت بي وصارت تزيل عني ملابسي بعنف وأعطتني صابونة، ثم أتت بنبريش تتدفق منه المياه بقوة وصوبته على رأسي وجسمي وهي تقول: «فروك.. فروك حالك يؤصف عمرك شو بتقرف!». ثم خرجت وراحت تنظف البيت وهي تبرق وترعد وتشتمني. فجأة، ساد صمت ما! ناديتها، فلم تجب! تابعت حمامي مستغربا، لربما خرجت مجددا إلى البرندا، لكن ارتعش كل بدني بلحظة وشعرت برعب شديد، انتبهت لصوت خفيف صدر عن باب المطبخ، ثم ساد الصمت من جديد ناديت زوجتي بصوت كله رعب فلم تجب، اجتاحني برد شديد، التفتُّ صوب الباب بسرعة فوجدت زوجتي قد تسللت وبيدها الساطور مرفوعا إلى الأعلى ثم هوت به على رأسي! انشق رأسي وعلق الساطور بجمجمتي، صارت تشده فلم يكد يخرج! هه! رأسي يابس بما فيه الكفاية! حاولتْ إزالته من جديد ففشلت، ثم سحبتني أنا والساطور إلى المطبخ، تنهدت بعمق وصنعت لنفسها قهوة وجلست إلى الطاولة تدخن سيجارة مع قهوة، تتأملني وتتلذذ بالقهوة وهي في سعادة غامرة. بعدما انتهت، تناولت السكينة الحادة والمسن وصارت تسنها، ثم اقتربت مني وصارت تعالج الساطور العالق في جمجمتي حتى خرج، رفعت السكينة وهوت به على بطني، السكينة حادة فعلا، صارت تقطعني إلى نصفين ولما اصطدمت العامود الفقري استعانت بالساطور وبضربة واحدة منه صرت نصفين، ثم قطعت رأسي، ويديّ ورجليّ، وجزأتني إلى قطع صغيرة، وعبأتني في كيسي زبالة ووضعتهما أمام البراد، ثم نظفت كل المطبخ وأزالت كل آثار الدماء، في النهاية شعرت بإنهاك شديد فتركت السكينة والساطور من غير أن تنظفهما على المجلا في المكان الذي وجدتهما فيه، عندها عرفت سبب الدماء العالقة عليهما ورائحة البسطرما العابقة منها، ارتفع الدم إلى رأسي وصرخت وقررت أن أنتقم، أتيت بحبل، ربطت رجلي زوجتي بقبضتي البابين، شددتها بأقصى ما أستطيع حتى كادت تشرخ، عندما شققت بطنها انسكبت الأمعاء دفعة واحدة ففاحت رائحة ما، اضطررت لفتح الشباك ثم عبأت أمعاءها، وشققت الصدر وتناولت الرئتين والقلب والطحال، وضعت الأخير جانبا، قررت أن آكله بعد أن أنتهي، الطحال عندي أطيب ما في الذبيحة، ثم فصلت الرأس وأخذت بفصلها نصفين كما يفعل أبو جابر بالخراف، لم أنجح في فصلها إلى قسمين متساويين كما يفعل، إنه حقا لَحَّام ماهر، على الرغم من أني سددت ضربات الساطور بقوة وإحكام على منتصف العامود الفقري بالضبط. لم يكن تقطيع زوجتي وتعبئتها في أكياس الزبالة الملونة بأسهل من تنظيف المطبخ من الدماء وما شابه، فقد وضعت كما أفعل عندما أساعدها في أعمال التنظيف، شريطا راقصا وصرت أعمل بجد.

غريب! لم أكن أتوقع أن تكون الدكاكين مفتوحة في الساعة الرابعة آخر الليل، كل الدكاكين! كل الدكنجية بما فيهم أبو فايز ونزهات، كذلك حسن الفوال وأبو جابر اللحام، وأبو رؤوف الكندرجي، صار الجميع يتسابق على مساعدتي، حقا كم هم لطفاء! حتى أن أبو جابر استوقفني، وقال لي بعد أن عرض المساعدة:

«إستاز، إجت المدام، أخدت الساطور والسكينة الحدة اللي وصيتني عليهن، ألله يخليك لا تطولوا لنا فيهن، بتعرف أنا بحتاجتن»

«المدام؟ أنو مدام؟!»

«مدامتك إستاز مدامتك»

لم أصل إلى حاوية الزبالة الكبيرة إلا بعد أن أحسست بيدي قد تمزعتا تماما، وضعتهما على الأرض وصرت ألهث، رفعت كيس الزبالة الذي اعتقدته أخف ودفعت به إلى الحاوية فأصدر صوتا قويا: دجج! ثم رفعت الثاني وكان أثقل ودفعت به إلى قعر الحاوية فصاح صوتا أعلى من الأول: دجججج!!

أحسست بشيء ثقيل وقع على ظهري شيء بحجم حاوية زبالة، أفقت فزعا، الصباح عبَّأ أوضة النوم، رائحة البسطرما ما زالت في مخي، بالإضافة إلى رائحة حبق خفيفة، فيروز تغني: «إنت وأنا عم يسألونا كيف... منضل شو بيحلا لنا نغني...»، ألله! ألله يا فيروز! ركضت إلى المغسلة، وضعت رأسي تحت حنفية الماء البارد، جاء صوت زوجتي رقيقا ناعما:

«حبيبي!»

دخلت إلى المطبخ، باستني على فمي، وقالت:

«صباح الخير حبيبي»

فقلت وأنا لا أزال مدهوشا أبحث بعيوني عن الساطور والسكينة الحادة:

«صباح الخير حبيبتي»

جلست إلى الطاولة منهكا من التعب، بدأت بتناول القهوة، مرَّرت زوجتي يدها على زريعة الحبق، فثارت رائحة عبقة طيرت شيئا من رائحة البسطرما العالقة في مخي، وظلت عيوني تجوب المطبخ بحثا عن الساطور والسكينة الحادة حتى وجدتهما يلمعان على مشكة الصحون نظيفين وكأنْ لم يمسسهما أحد حتى الآن.

لم تتأخر سيارة الزبالة كثيرا، ابتلعت كل ما في الحاوية بلقمة واحدة، وراحت أسنانها الضخمة تلوك كل النفايات، بما في ذلك كيسان ملونان يوحيان أن فيهما حلويات وفاكهة.

jeudi, juin 08, 2006

كل ليلة وكل يوم.... قصة قصيرة

بعثت إلى سهام برسالة قصيرة، أخبرتها «أن تجيء، أن تجيء وحسب، أن تجيء قبل أن أموت من القهر». وقد وصفت لها عنوان الغرفة الجديدة. فردت برسالة قصيرة «بأنها ستجيء، ستجيء وحسب، ستجيء قبل أن تموت من القهر». وقد حددت موعد وصولها في باص الساعة الثانية عشرة من ظهر 26 تموز وستجيء مباشرة إلى الغرفة.

ومنذ الصباح اشتغلت بجد، لم يكن أمامي دقيقة واحدة لأستريح، فما استلمت الغرفة من صاحبها إلا هذا الصباح، ويجب أن يكون كل شيء جاهزا قبل وصولها.

أكره العطلة الصيفية! كيف يغلقون الجامعة في الصيف؟! لقد غابت سهام شهرا وأربعة أيام، ذقت خلالهم المرار وحسبتهم بالساعة والدقيقة، إنهم أكثر من 840 ساعة عذاب، شربت أكثر من ثلاثين قنينة عرأ، وعددت أكثر من مائة ألف نجمة، وزرعت في البرية خلف شباك بيتي بحرا وأمواجا ونوارس وميناء وأشرعة.

وكان لهذا العمل المتواصل منذ الصباح؛ تنظيف الغرفة الجديدة ونقل الأغراض وشراء الأشياء أن ساعدني كثيرا في تحمل شقاء ساعات الانتظار الأخيرة.

اشتريت 30 كيلو دراقن و200 وردة جورية حمراء، فرشتهم جميعهم في كل أنحاء الغرفة، وانتهيت من ترتيب كل شيء، ثم رفعت المسجلة ووضعتها على الطربيزة بحثت عن علبة الأشرطة فلم أجدها، أين هي؟ ضربت رأسي بكف يدي! كيف يضيع مني شيء بغاية الأهمية مثل هذا؟ كيف؟! فتحت باب المسجلة فوجدت شريطا واحدا أزلته إنه شريط أم كلثوم «كل ليلة وكل يوم»، فأعدته إلى بيت المسجلة وأدرته. شريط واحد أحسن من لا شيء. راحت الموسيقى تمشي.

وقفت ورفعت الجلالة قليلا، كنت بغاية القلق، بقي لسهام حتى تصل 15 دقيقة حتى تصل، صرت أنظر إلى الساعة كل دقيقة خمس مرات وأكثر، وما لبث أن تصاعد صوت خبط على الباب الخارجي، فنططت كالمجنون وفتحت الباب!

كانت سهام!

صار صدري يخبط، تجمدنا للوهلة الأولى، ثم كمشت يدها وقدتها إلى الداخل وأغلقت الباب، بستها من فمها وما لبثنا أن دخلنا في بوسة طويلة طويلة، عندما بدأت أم كلثوم الغناء.

«كل ليلة وكل يوم... كل يوم... أسهر لبكرة... في انتظارك يا حبيبي يا حبيبي»

ولم نكد ننتهي من هذه البوسة الحامية، سندتها إلى الحائط وزادت أم كلثوم حماوة البوسة حماوةً، وهي لا تزال تحمل الشنتة في يدها، حتى انتهت أم كلثوم من المقطع الأول فتراجعنا عن بعضنا ورمت الشنتة على الأرض وراح الجمهور يصفق بحرارة لنهاية المقطع الأول، فالتفتنا صوب المسجلة معا وكان التصفيق ما زال متواصلا فضحكنا لبعضنا، حسبنا أن هذه التحية موجهة إلينا، إلى هذا اللقاء الرائع.

اندفعنا إلى الحمام، ونحن نزيل ملابسنا باستمرار وسرعة حتى وصلنا إلى تحت الدوش عاريين تماما، بينما انتهى الجمهور في المسجلة وأخذت تعيد عزف موسيقى المقطع الأول، التحمنا من جديد، وعدنا إلى حماوة البوس والعناق، الأيدي تمشي بنهم على كامل الجسمين، وبصعوبة تخلصت من الشفاه من بعضها.

«فكري طول الليل بليلك... والنهار... كلو بنهارك يا حبيبي يا حبيبي»

وانتقلت إلى رقبتها وصارت شفاهي تلعب فوقها بمرح حتى وصلت إلى أذنها حيث لعب لساني على الشحمة ونزلت إلى كتفها المسالم، أكملت إلى نهديها رضعت الحلمات.

«سهرت السهر في عني... صحيت المواجع فيَّ»

ضغطت على الحلمة فصرخت متأوهة مترافقة مع صوت أم كلثوم العالي، وكلما خاض لساني أكثر تعالت التأوهات أكثر وتعالى صوت أم كلثوم نزلت إلى بطنها ولعقت السرة، ونزلت إلى كسها، فمر عليه لساني بسلام ونعومة.

«كل ساعة كل ليلة ... كل ساعة كل ليلة... كل يوم... بعد ما اتطمن عليك... ح يجي لي نوم حَ يجي لي نوم يا حبيبي يا حبيبي»

عندما تعالى صوت أم كلثوم في آخر المقطع صرخت سهام وضغطت على رقبتي بفخذها المرفوع، فأخذ الجمهور يصفق لأم كلثوم ويصرخ، توقفت أنا وسهام ونظرنا إلى المسجلة معا ثم إلى بعضنا وضحكنا.

خرجنا بسرعة من الحمام وموسيقى المقطع الثاني تمشي، صارت سهام تقبلني على كامل جسمي وعلى أيري، فصار مثل العصا، دفعتها حتى نامت على ظهرها ورفعت مخذيها، فاقتربت منها حتى دخل أيري في كسها وصار يدخل ويخرج.

صرخ الجمهور مستنكرا فتوقفت ونظرت أنا وسهام إلى المسجلة والجمهور، تبادلنا نظرة سريعة، لقد فهمنا فالوضعية التي اتخذناها لم تعجبه، فغيرناها وبدأت الموسيقى من جديد، سنمارس الحب على طرقة القطط اتكأت على ركبها ويديها، مررت يدي على ظهرها وضغطت فتأوهت.

«قلي إيه حلو بحياتي وانتا غايب عن عيني»

أدخلته بعنف وصار يدخل ويخرج وهي تتأوه وانحنيت على ظهرها وصرت أعض عضلة كتفها وهي تصرخ حتى انتهى المقطع الثاني بصرخة عالية من سهام، فصفق الجمهور وصرخ بإعجاب شديد.

عندما بدأت موسيقى المقطع الثالث غيرنا الوضعية، جلست على الفرشة ومددت ساقي إلى الأمام، فاقتربت سهام وجلست على أيري وصارت تصعد وتهبط.

«كل نار تصبح رماد... تصبح رماد... مهما تئيد... إلا نار الشوء... إلا نار الشوء... في يوم عن يوم تزييييد... تزييييد...»

وكلما كانت أم كلثوم تتصاعد في غنائها كانت سهام تزيد من حدة صعودها ونزولها، ولما وصلت إلى ذروة الغناء هذه المرة وصلت مع سهام إلى ذروة اللذة معًا وصرخنا سوية مع أم كلثوم ثم سقطنا على الفرشة مرهقين، فقالت أم كلثوم: «ح يجيني نوم... ح يجيني نوم»

ثم أخذ الجمهور بالتصفيق والصراخ المتواصل تبادلنا أنا وسهام نظرة، ثم وقفنا باتجاه الجمهور وانحنينا بمبالغة نحييه كما يحيينا.

dimanche, juin 04, 2006

سرقة الشمس.. قصة قصيرة

أخيرًا، استطاع وليد أن يسرق سيكارتين من علبة سكائر أبيه من دون أن يراه أحد. فما أن انتهى أهله من تناول طعامهم، وخرجوا ليغسلوا أيديهم حتى مدَّ يده إلى جيب الجاكيت المعلق، تناول سيكارتين بسرعة البرق ورماهما في عبه. بحث بعدها عن علبة الكبريت في المطبخ، لكنه لم يجدها، فاضطر إلى العودة والقيام بمغامرة أخرى سريعة والتخطيط لسرقة علبة الكبريت من جانب المدفأة في أوضة المعيشة حيث الجميع يشربون الشاي بعد الغداء.

ولكن.. لا مجال للتفكير في خطة جديدة فالوقت ضيق، سيحاول أن يتعامل مع الوضع، ربما يضطر إلى استخدام جزء من مخزون الفتيش والكبسون والصوايخ المخبأ للعيد، أو... سوف يدخل ويتجه إلى المدفأة مباشرة مدعيا أنه بردان... لكن لا، لن يتركوه يخرج... ماذا سيفعل إذن؟ آه لو كان يملك طاقية إخفاء!

الوقت يمضي ولا مجال للتفكير، اقترب من الباب وفتحه بهدوء شديد، انسل كأفعى حتى لا يشعر به أحد، تفاجأ، لم يكن هناك أحد! اين هم؟! همهم.. هذا يفسر الأصوات القادمة من الصالون، لقد غافله الجميع وانتقلوا إلى هناك.

حصل على علبة الكبريت بسهولة كبيرة ومن غير خطة حتى.
أخذها وأسرع إلى السطح، انحنى عند مروره أمام شباك الصالون حتى لا يراه أبوه فيناديه.

كان عماد ينتظره بفارغ الصبر في مكان قصيٍّ آمن، فقد صنع من السحاحير القديمة حاجزا يحجب الرؤية إذا ما فكر أحد أن يباغتهم، وكان يشعر بالملل الشديد لطول الانتظار، وما أن أطل وليد راكضا حتى فتح عينية وهمس بحماس:

«شو؟!»

رفع وليد كنزته بكلتا يديه حتى تجاوزت رأسه وظهر كل بطنه وصدره، فسقطت السيكارتان تحت مفاجأة ودهشة عماد الكبيرة، وسادت فرحة شديدة.

إلا أن الفرحة الشديدة لم تستطع أن تؤجل مباشرتهما السريعة بالتدخين. أشعل كل واحد سيكارته وصارا يقلدان الكبار ويُظهِر أحدُهما للآخر مهارته في وضع السيكارة بين أصابعه، ثم من يستطيع أن يُخرِج الدخان من أنفه، أخذ وليد يسعل بشدة، صار موضع سخرية عماد الذي نفَّذ الأمر بسهولة ومن دون أن يسعل حتى، تمادى الأخير في مباهاته بنفسه وادعى بأنه يستطيع أن يخرج الدخان من أذنيه؛ حاول، ثم حاول، لكنه فشل.

غير أنه بارع في تغطية فشله، جحظ عينيه بوجه وليد، ثم قال:

«شفت؟»

«شو؟»

«ما شفت الدخان شلون طلع من دينتي؟ … انت أعمى؟»

«أعمى؟... طيب … متل ما بدك؟»

علم عماد أنه يسايره فنظر فيما حوله ليغير الموضوع، فرأى الشمس التي كانت تميل عند آخر البيوت وتتهيأ للسقوط، تحول إلى أخيه الذي ما زال يعب من السيكارة، فبدأ الحديث بشيء من الاستهتار، وضع يده في جيبه وصار يلوح بسيكارته، وراح يتكلم بعد أن سرَّب ضحكة استهزاء:

«بتعرف وين بتنزل الشمس؟»

جاوب وليد وهو ما زال مشغولا بالتدخين ومن دون أن يفكر:

«أنا بكره الليل!»

جحظ عماد عينيه، وتحولت نبرته إلى الأسلوب المشوق لتثير في وليد رغبة في الاستماع:

«ولك بتنزل بجنبنة بيت الخطيب»

«بجنينة بيت الخطيب؟!»

«إيه... بجنينة بيت الخطيب»

«طيب شو عرفك؟ … انت شفتها شي؟»

«لكان … هي متل الفطبول بس أكبر منو بتطلع هَـ الأد!»

وفتح يديه بأقصى ما يستطيع، وأكمل:

«وكلها كلها دهب»

«دهب؟!!»

التفت وليد ونظر إلى الشمس غير مصدق:

«انت شو عرفك طيب؟»
«لكان منين لن كل هَـ المصاري... ما شفت شو في عندن سيارات؟... بعدين أنا شفتها بعيني هي... مو مصدقني؟»

صمت وليد قليلاً، التفت إلى الشمس ثانية، ثم قال محتارا:

«مبلا مصدقك»

ثم وقف وقد استوت في رأسه الفكرة:

«طيب شو رأيك بس يجي بكرة نروح نسرقها؟»

«بكرة؟!»

«ايه بكرة»

« ... انت أجدب!»

«أجدب؟ ... طيب ليش؟»

«يا أجدب بس يجي بكرة بتجي شمس تانية … وبتروح علينا هي»
وقد اتفقا على سرقتها، وعلى تنفيذ العملية مباشرة، لكي يصبحا من الأغنياء وعندهم سيارات. فانتهيا سريعًا من التدخين، ونزلا إلى المطبخ، حيث صعد عماد إلى السقيفة وتناول أكبر سلة يمكن أن تتسع لشمس، ثم انطلقا في الحواري إلى جنينة بيت الخطيب وهما يفكران بالذهب والأموال والسيارات.

بيت الخطيب بعيدٌ جدًّا، وعليهما أن يمشيا بأسرع ما يمكن لأن الشمس تهبط بسرعة أيضا، ولم يكادا يتجاوزان الحارة الثانية حتى توقفا لأن أولادًا يلعبون بالفوتبول اعترضوا طريقهم، كانوا بحاجة للاعبين، اقترب زعيمهم من عماد، ونظر إليه باستخفاف وتحدٍّ.

«تتحدُّوا؟!»

نظر عماد إلى وليد مشاورًا، ثم اتخذ القرار من دون أن ينتظر جوابا:

«إيه.. منتحدا»

لم يستطيعا رفض التحدي ولا مقاومة إغراء اللعب، وضعا السلة بالقرب من الحائط، ونزلا إلى المباراة وراحا يلعبان.

انتظرتهما الشمس طويلا حتى تخلص هذه المباراة الحامية، لكن ظهر أن حرارة اللعبة العالية أغلى من الشمس ومن الذهب ومن السيارات، فاضطرت للنُّزُول في بيت الخطيب حزينة وبسرعة جاء الليل.

samedi, mai 27, 2006

عرض الأيام المخمورة... مثال جيد على عرض سيء

مطاع القاق

لن يتذكر المشاهد أثناء حضوره عرض الأيام المخمورة على خشبة مسرح راميتا بمناسبة يوم المسرح العالمي، لن يتذكر أنَّا كارنينا تولستوي، كذلك لن تخطر على باله نورا إبسن، ليس لأن ونوس يحمل فكرا رجعيا، فونوس معروف فكره بل واضح اتجاهه، وليس بحاجة إلى تعريف، فنص الأيام المخمورة الذي كتبه في آخر حياته قد أسيء فهمه أو أنه قرئ قراءة مغرضة قلبت الهدف الأساسي للنص وظهرت المقولة على عكس ما هي.
تدور أحداث الحكاية في أواخر الاحتلال الفرنسي لسوريا ولبنان، من خلال عائلة موزعة بين دمشق وبيروت، حيث يحكي الراوي حكاية جدته سناء التي هربت مع عشيقها تاركة زوجا وبنتين وشابين مما يؤدي إلى تشتت العائلة وتمزقها. نأخذ باكتشاف الحكاية مع الراوي شيئا فشيئا من اللحظة التي تبوح بها سناء وهي في الثلاثينيات للتابعة أو لظلها، عن رغبتها المتأججة في الحرية والانطلاق ولا تلبث أن تلمح لابنتها الصغرى عن نيتها تلك، وفي حفلة رتبها الأولاد بمناسبة عيد ميلاد أبيهم يقوم الأولاد بتغيير زيه من التقليدي إلى المعاصر، ثم يتم اللقاء مع العشيق عند محل للخياطة ويبوح الحبيبان بعشقهما، فتقرر سناء الهرب وتحاول بنتها الصغيرة منعها من ذلك فتقع سناء بين رغبتها المتوهجة في الهرب مع حبيبها وإلحاح بنتها المحببة في البقاء، ثم تروح بعد أن تعطي بنتها سرها وتطلب منها أن تكتمه.
تقوم قيامة العائلة؛ يستعيد الأب زيه التقليدي ويبدأ بسلسلة تحقيقات مع البنت التي فقدت القدرة على النطق، تخرج البنت الكبرى لتجد نفسها في صالونات المتنفذين، يتحول طالب الجامعة الأمريكية إلى التجارة بالمخدرات ويتوه الدركي الطيب في صراع مع العار ورغبته في سد تلك الفجوة التي أحدثها هروب أمه.
لا شك أن العرض اعتمد على حلول ذكية ولافتة كاستخدام الستائر بدلا من قطع الديكور الثابتة بالإضافة إلى السلاسة في الانتقال بين المشاهد المختصرة وبطريقة ذكية غير منقوصة من دلالة يريدها العرض وصاحب العرض، أيضا الصور الفوتوغرافية التي تشير إلى أن الحكاية مستمدة من هذه الصور، بالتالي يمكن أن تكون محض تخيل، مما يوفر تبريرا لأي ثغرة يمكن أن تنشأ مع المشاهدة، بل إن هنالك براعة في استخدام "اللمبة" المتنقلة مع قطع الديكور، قطع الديكور المتقشفة أصلا، فمن قطعتين أو ثلاثة استطاع المشهد أن ينقل جو الكاباريه مثلا.
كل ذلك حلو ويعبر عن شكل جذاب يمكن أن يشد المتلقي، لكن أي علاقة لهذا الشكل مع ما يطرحه العرض من مضمون؟
أعتقد أن المشكلة الأساسية هي تلك المتعلقة بقراءة النص، فلا شك أن ونوس يطرح فكرة تنويرية من خلال كسر قدسية الذكر والتحرر من سيطرته، فكرة متعلقة بالحرية والانعتاق من المفاهيم السائدة في مجتمع يسعى إلى الحرية من المستعمر، بالتالي فشخصية سناء شخصية ذات حساسية خاصة يجب تناولها ضمن هذا الإطار حيث تقدم نفسها كمن تكسر جدران التقاليد لتنطلق إلى فضاء الحرية. على ذلك فأي قراءة لا تتناول النص من هذه الزاوية يمكن أن تحور هدفه السابق، بل تعكسه وتصبه في سياق رجعي بحت.
ففي العرض تخرج سناء من بيت زوجها أو تهرب من دون أن تعطينا أي مبرر حقيقي، فليس من مبرر أن تكره زوجها، ومشهد السرير معالج بطريقة تدينها إن هي فكرت في كره هذا الزوج ولا يمكن تفسير السلوك والحلول في هذا المشهد إلا ضمن إطار الغزل. أيضًا مشهد الرحيل، فظل سناء أو التابعة يلح على أن هذا الهروب ليس له من مبرر إلا الدعارة بالمفهوم السائد، ويقف المشاهد حائرا أمام قرار في غاية الغموض في الهروب مع شخص ليس له جاذبية الزوج ولا يملك شيئا من مقوماته، فأي مبرر وأي سبب يمكن أن يجده المرء وهو واقف حائرا أمام مسرحية تم الإعلان عنها بأنها نص سعد الله ونوس المعروف جيدا.
«لقد فسد العالم» هذه مقولة العرض لن يجد المشاهد أي مقولة أخرى ولكنها لا تخص ونوس في شيء وإنما تخص دراماتورج العمل أو مخرجه. ليس ونوس من يطلق تلك المقولة الغبية والمعممة لأنه محكوم بالأمل ولقد حاول في كل ما كتب فتح الأبواب لا إغلاقها.
إن الرؤية الفنية التي تعطي الأولوية للشكل على حساب المضمون أو بغض النظر عنه وعن ماهيته صارت اليوم رؤية متخلفة ومن الماضي، وإنما تعبر عن عمى ثقافي ومرض مستشري، وهي في حالة عرض "الأيام المخمورة" التي نناقشها؛ إن كانت في جمالية الكادر والألوان والإضاءة واستخدام الديكور الذكي والملابس وما إلى هنالك من عناصر، تشكل عذرا أقبح من ذنب، لا سيما وأنها تدعو إلى الانغلاق كمن يقول: اختبئ! نم في قوقعتك! وإن كنت تفكر في تحرير نفسك فانس الأمر، أو هو تحذير لأي امرأة تفكر في الحرية بل درس شديد الفعالية، وهو يشير إلى سناء المشلولة في نهاية المسرحية وكأنه يقول: "هذه نتيجة من تفكر بالحرية وتقدم على الفعل" طبعا كل ذلك بأسلوب جذاب وجمالي ومتقن.
إنه القتل لكن بأكثر الوسائل جمالية.
لست ممن يفرض قراءة معينة على أحد ولكن للأشياء طبيعتها فلا يمكن مثلا أن نقرأ نورا إبسن على أنها عاهرة فبذلك نبتعد تماما عن حقيقة النص. كذلك لا يمكن قراءة زوربا على أنه نصاب يسرق مال صاحبه، لأننا بذلك نكون واقعين في ذهنية منغلقة ومتخلفة.
وليكن.. ربما يكون مخرج العمل ذا ذهنية منغلقة ومتخلفة ويعتقد بأنه حر فيما يكون أو أين يكون... فإن كان كذلك فليكتب نصه وليدع نص ونوس وشأنه.
لكن ومن ناحية أخرى هل الترويج للانغلاق مقبول اليوم؟ لا أعتقد ذلك فربما كانت الدعوة إلى الانغلاق فيما مضى وجهة نظر، لكنها اليوم دعوة تشبه الدعوة إلى القتل.
لقد استطاع تولستوي عن طريق أنّا كارنينا أن يغير القوانين المتعلقة بالزواج في روسيا، كذلك فقد سمعت أوروبا كلها صوت الباب الذي صفعته نورا إبسن بوجه زوجها فاتحة بابا آخر للحرية، لم يكن من إشكال في قراءة النصوص، فقد قرئ نص تولستوي وطرق الآذان ووصل وغير، كذلك وجد هنريك إبسن مخرجا يعرف الأشياء من دون مزاودة ويحسن القراءة كمحترف، ووصلت رسالته وسدت الآفاق وغيرت.
أما سعد الله ونوس المحكوم بالأمل فقد وقف حزينا أمام عرض، متوقَّعا أنه ليس أقل شأنا من هؤلاء الكتاب الذين غيروا مجتمعاتهم بشكل فعلي، واستدار وراح وهو يأمل على عادته أن يصحو البشر في يوم ما ويأتي مخرجون يرون الأشياء بشكل صحيح، ويستطيعون التفريق بين الألوان ويعرفون القراءة كما يجب.

samedi, mai 20, 2006

صوت الأنثى

صوت الأنثى

دراسات في الكتابة النسوية العربية
لـ«نازك الأعرجي»
مطاع القاق

ماذا يوحي مصطلح «الأدب النسوي»؟ هل هو ما تكتبه النسوة من أدب؟ هل ذلك الأدب الذي يقابل الأدب الرجالي؟ أم هل يشكل أمام الأدب الرجالي تبعا لكل المفاهيم الاجتماعية منها والفنية والثقافية واللغوية وغيرها، هل يشكل مرتبة دونية؟ بل لماذا يتم عبر شريحة كبرى من المثقفات والمثقفين والكاتبات خاصة رفض هذا المصطلح بحجة أن الأدب أدب، وتلك الصفة «النسوي» أو غيرها إنما زائدة؟
لا شك أن الظروف التي نعيشها في البلاد العربية ووضع المرأة تحديدا، قد أدى إلى هذا الفهم. لكن معرفة مصدر المصطلح ومتابعته في الأدبيات الغربية يجعل من تلك النظرات إليه عمومية بل سطحية وإنما تعبر في أحيان كثيرة عن جهل.
ذلك أن الأدب النسوي وجهة نظر مختلفة عن وجهة نظر المجتمع إلى المرأة، تسعى من خلالها إلى كشف وتعرية المنظور الذكوري المترسخ منذ القدم، واكتشاف آليات جديدة تجعل من المرأة كائنا بشريا له منظومته الخاصة ورؤيته، وآلية تفكير ونظر إلى العالم والأشياء. بذلك فهو لا يشكل حالة ضعف أو دونية أو حالة تنويع على الأدب بصفة عامة، بل هو حالة ثقافية جديدة تتناول الأمر من وجهة نظر غير ذكورية بالضرورة بل هو بديل عن الأدب بكل تجلياته وصفاته السابقة، بديل يعنى بشكل أساسي بالمهمش والمطرود والمستبعد قسريًّا من الثقافة السائدة منذ اختراع اللغة حتى اليوم، أو هو وجهه نظر مختلفة عن كل ما سبقها.
إن تأصيل هذا المصطلح يستدعي قبل أي شيء إعادة الاعتبار للمرأة في المجتمع، المرأة كأنثى ولعملها أيا كان بشكل أساسي، وهو –الأدب النسوي – ليس قادرا على إعادة الاعتبار للمرأة فقط، بل قادر على تحرير وتخليص الأدب والثقافة بصفة عمومية من كل شوائبه المتراكمة.
تسعى نازك الأعرجي في كتابها «صوت الأنثى» إلى تحرير مصطلح الأدب النسوي من الأوهام والنظرات المتسرعة التي سادت بين المثقفات والمثقفين العرب، وتحريره بالتالي من أعبائه في الثقافة السائدة، ومن ثم تقدم تطبيقيا لنتاج عدد من الأديبات العربيات المعاصرات.
تدرس نازك الأعرجي في الفصل الثاني، مراحل تطور نازك الملائكة الفكري، ففي عامي 1953و1954ألقت نازك الملائكة محاضرتين في بغداد الأولى عنونها «المرأة بين الطرفين – السلبية والأخلاق» تدعو فيها المرأة إلى التحرر من الجمود والسلبية والثانية بعنوان «التجزيئية في المجتمع العربي» ذات موضوع جريء مفعم بالحيوية وهذه المحاضرة مكملة للأولى. تبدو الملائكة نفسها في هاتين المحاضرتين ضمن منظومة فكرية منفتحة.
وتتابع الأعرجي مراحل تطور الملائكة في تغيراتها وصعودها وانتكاسها حتى عام 1965 تاريخ نشر مقالة «العرب والغزو الفكري» التي تعبر بشكل واضح عن منهج غير علمي مغلق على نفسه. فهي وإن بدأت بطروحات شديدة التفرد وكانت الدعوة إلى تحرر المرأة واضحة في بداياتها فقد انتهت بطروحات مناقضة لتلك تناقضا تاما.
لا بد من ملاحظة أن الأديبة العربية تتعرض لضغوطات اجتماعية وسياسية تؤثر بشكل شديد على نتاجها من حيث الجرأة والاندفاع والتحرر أو الانتكاس والتراجع والانغلاق.
ذلك ما يظهر في الفصل الثالث من الكتاب حيث تقدم الأعرجي لسبع من الكاتبات العراقيات قدمن نتاجهن في فترة السبعينات كـ لطيفة الديلمي وسميرة المانع وغيرهن. لم يتوفر الظرف للكتابة بحرية أو لتقديم نتاج يغوص في أعماق المرأة والمجتمع، فغاب الجسد الأنثوي على سبيل المثال، وقلت بل تلاشت التماسات مع المناطق المحظورة والموضوعات الملحة، بل سعت بعضهن لكبح شخوصهن فوقعت الأعمال في فخ التسطيح.
ودأبت الكاتبة المصرية سلوى بكر على تقديم صورة المرأة الضحية بتنويعات كثيرة مقتحمة موضوعات شجاعة، وسعت في موضوعات كثيرة تنتمي إلى منظومة الأدب النسوي إلى كسر وتفكيك البنية الفكرية الذكورية. ويبدو النضج الفكري واضحا في رواية «وصف البلبل» حيث تطرح نموذجا قويا للشخصية النسوية القادرة على الاختيار، فتتقدم هاجر بطلة الرواية في ظروف هيأتها الكاتبة لتقيها من مطبات الواقع والمجتمع وأوصلتها في النهاية إلى بر الأمان حيث يطلب منها يوسف «الزواج»، لقد هيأت الكاتبة بطلتها لتختار واختارت ولكن المبادرة لم تأت منها، ولما صار ذلك الاختيار كان ولكن بنوع من التوفيق والتصالح مع قيم المجتمع الذي حاربته سلوى بكر في كل نتاجها. لقد حمل يوسف «الرجل» زمام المبادرة، مما شكل نقطة ضعف وكان لتهيئة مجرى الأحداث ضمن ظروف مثالية أن أوقع الرواية في مطب الاصطناع.
لقد عادت سلوى بكر إلى المستقر الاجتماعي أو وصلت إلى طريق مسدود في إعادة إحياء تلك النماذج في مثل هذه الفضاءات، أو أنها أبقت على خط الرجعة إلى المجتمع خشية النفي كما حدث لشخوصها.